تاريخ العلاقات الإسرائيلية – الهندية (1)
اتسمت العلاقة بين الهند وإسرائيل على مدى نحو أربعة عقود بالتوتر والتحفظ بينما اختلف الأمر في التسعينيات، ويعود تاريخ العلاقات الهندية - الإسرائيلية إلى ما قبل قيام دولة إسرائيل نفسها، وتحديدا إلى عشرينيات القرن الماضى عندما أيد الزعماء الوطنيون الهنود الموقف الفلسطينى من قضية الهجرة اليهودية إلى فلسطين فقد حكمت السياسة الهندية إزاء إسرائيل عقدة الاستعمار البريطانى الذى هيمن على الهند لأكثر من أربعمائة عام، فقد تغذى الوعى الهندى بمعاداة الاستعمار البريطانى وجميع سياساته وممارساته، ولذا فقد اعتبرت الهند أن ما يحدث فى فلسطين محاولة من الاستعمار البريطانى لتقسيم الأرض وتشتيت شعبها وعلى هذا، تعاملت الهند مع القضية الفلسطينية فى إطار حركات التحرر الوطنى ضد الاستعمار الغربى، لذلك كانت الهند من بين 13 دولة عارضت قرار تقسيم فلسطين رقم 181 الذى أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947، بل واقترحت الهند في العام نفسه إقامة فلسطين فيدرالية تمنح حكما ذاتيا للسكان اليهود واستند هذا الموقف الهندى إلى اعتبارين، الأول: التجربة المأساوية التى عاشتها الهند فى تقسيم شعبها إلى دولتين، وهو مبدأ يحظى برضا الرأى العام الهندى الثانى: حاجة الهند إلى الأصوات العربية ومواقفها السياسية فى نزاعها مع باكستان من ناحية، وأهمية أصوات المسلمين الهنود فى الانتخابات (200 ألف مسلم).
إلا أنه بعد وصول "جواهر لال نهرو" إلى الحكم عقب اغتيال غاندي مارس اليمين ذو الميول الهندوسية ضغوطه فقرر نهرو الاعتراف بـ"إسرائيل" عام1950 وسمح بإقامة قنصلية في بومباي، وقد حاول نهرو خلال تلك الفترة أن يحتفظ بعلاقات متوازنة وفي أدنى حد لها، إذ تراجع عن دعوة "إسرائيل" إلى مؤتمر باندونغ سنة 1955 وفي المؤتمرات الأفرو آسيوية عام 1955 و1959 وذلك بعد تهديد الدول العربية بالانسحاب.
وشرعت الهند منذ عام 1952 بمناقشة الخطوات المطلوبة لإقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين, إلا أن المتغيرات الإقليمية والدولية حالت دون ذلك, وخصوصاً مشاركة الهند مع مصر ويوغوسلافيا في حركة عدم الانحياز, والصداقة الشخصية التي ربطت نهرو بعبد الناصر, وحالة الانقسام الدولي بين المعسكرين الشرقي والغربي, والعلاقات الطيبة بين الهند والإتحاد السوفياتي ثم العدوان الثلاثي على مصرعام 1956 والذي نددت به الهند وأخيرا حرب عام 1967, الأمر الذي منع قيام تفاهم علني بين الهند وإسرائيل, خوفا من تأثر المصالح الهندية سلبا في العالم العربي ومع ذلك فإن هذه المعطيات لم تمنع حصول تعاون خفي وسري بين البلدين خصوصاً في المجالات الأمنية والدفاعية, على غرار صفقة الأسلحة التي حصلت عليها الهند من إسرائيل أثناء حرب التيبيت التي خاضتها ضد الصين عام 1962, وكذلك حصلت الهند على مساعدات عسكرية إسرائيلية أثناء حربها مع باكستان ما بين عامي (1965-1971)، وردت الهند هذا الجميل لإسرائيل في حرب 1967 بإرسالها كميات ضخمة من قطع غيار مركبات القتال لا سيما الدبابات) إم. إكس13( إلى إسرائيل.
وفي أعقاب حرب 1973 تعددت زيارات الوفود العسكرية الهندية لإسرائيل للحصول على خبرتها خاصة في مجال الحرب الإلكترونية, ومقاومة الصواريخ المضادة للدبابات. وفي أعقاب حرب عام 1982 على لبنان حرصت الهند على الاستفادة من الخبرة الإسرائيلية في مجال تشغيل طائرات الاستطلاع والإنذار المبكر, وكذلك في مجال تنظيم وإدارة الحزام الأمني في جنوب لبنان لمحاولة تطبيقها في منطقة الحدود في كشمير و مكافحة عمليات التسلل عبر الحدود. في العام 1975 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها التاريخي رقم 3379 والذي أدان الصهيونية واعتبرها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري. ونقل هذا القرار القضية الفلسطينية من قضية صراع عربي ¬إسرائيلي الى قضية صراع ضد الصهيونية العالمية وتحالفها الإمبريالي. إلا أن هذه الإدانة الدولية لم تستمر طويلاً إذ استطاعت الصهيونية العالمية والولايات المتحدة أن تجبرا الجمعية العامة على إعادة النظر في هذا القرار عام 1991, وهي المرة الأولى الذي يحصل مثل هذا الأمر في تاريخ المنظمة الدولية, حيث تم إلغاء القرار بأغلبية كبيرة واعتبرت الصهيونية بالتالي “حركة تحرر وطني”. وكانت الهند من بين الدول التي صوتت إلى جانب إلغاء القرار. وشكل هذا الموقف أول خطوة في مسيرة العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية العلنية في عقد التسعينات, والتي تطورت إلى إقامة علاقات ديبلوماسية وإجراءات مشتركة في شتى مجالات التعاون الأمني والعسكري لتتوج أخيراً في تعاون نووي, أدى الى قلب الكثير من المعادلات والحسابات القديمة, التي كانت تستفيد منها الهند في علاقاتها مع الدول العربية, بسبب مواقفها المتعاطفة مع القضية الفلسطينية, إذ حصلت منذ السبعينات على عقود أفضلية في تعاملها النفطي مع العراق وليبيا والامارات العربية, بالاضافة الى تشغيل آلاف الهنود في مختلف دول الخليج النفطية, والحصول على الكثير من العقود الاستثمارية والإنشائية.
كل هذا نتج عنه إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين الهندي والإسرائيلي عام 1992، وجاء وصول حزب بهارتيا جاناتا إلى الحكم عام 1998 ليشكل بداية جديدة للتعاون بين نيودلهي وتل أبيب، وسرعان ما تطورت هذه العلاقات تشجعها التطورات السابقة بحيث وصلت إلى علاقات تعاون إستراتيجي في بعض المجالات وخاصة الدفاع، ... يتبع بمقالات أخرى
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك