لماذا يتدرب رواد الفضاء تحت الماء ؟
حين يصبح الماء فضاءً.. سرّ التدريب تحت الماء
لماذا يغطس رواد الفضاء في أحواض عملاقة قبل رحلتهم إلى المدار؟
في قاعدة تدريبية تابعة لوكالة ناسا بولاية تكساس، يرتدي رائد فضاء بدلته الضخمة ويهبط ببطء إلى قاع حوض مائي يبلغ عمقه اثني عشر متراً ومساحته تعادل مساحة ملعبَي كرة قدم. لا يطفو ولا يغرق، بل يعلّق في الماء كأنه في فراغ تام. هذه اللحظة ليست ترفاً تدريبياً، بل هي أقرب محاكاة عملية يمكن تحقيقها على سطح الأرض لظروف الفضاء الخارجي.
الطفو المحايد.. خدعة فيزيائية عبقرية
يقوم مبدأ التدريب على ظاهرة تُعرف بـالطفو المحايد، وهي الحالة التي تتوازن فيها قوة الطفو مع وزن الجسم بدقة متناهية، فلا يصعد الجسم نحو السطح ولا يهبط نحو القاع، بل يبقى معلقاً في أي وضعية يتخذها دون جهد.
لتحقيق هذه الحالة، يُثبَّت رائد الفضاء داخل بدلته بأثقال وعوامات يتم ضبطها بعناية وفقاً لوزنه الدقيق وطبيعة المهمة المُخطَّطة. والنتيجة بيئة تُحاكي إلى حد بعيد الفضاء الحر، حيث لا تمييز للأعلى عن الأسفل، ولا مرجعية للجاذبية.
ماذا يتدرب رواد الفضاء في الماء؟
تتمحور التدريبات المائية حول نوع بالغ الأهمية من المهام يُعرف بـالنشاط خارج المركبة، أو ما يُسمى شعبياً بـ"السير في الفضاء". وتشمل هذه التدريبات:
صيانة المحطة الفضائية الدولية من الخارج، بما في ذلك تبديل الألواح الشمسية وإصلاح الأذرع الآلية.

التعامل مع الأدوات بالقفازات السميكة التي تُقلّص الإحساس الحركي إلى حدٍّ كبير.
التنسيق مع زميل المهمة وفق بروتوكولات اتصال محددة.
إدارة الطوارئ والتعامل مع السيناريوهات غير المتوقعة.
المنشآت العملاقة حول العالم
تمتلك الدول الفضائية الكبرى منشآت تدريب مائية متخصصة. في الولايات المتحدة، تضم مختبر الانعدام الفعلي للجاذبية التابع لناسا في مركز جونسون الفضائي حوضاً يستوعب نموذجاً كاملاً بالحجم الطبيعي للمحطة الفضائية الدولية. وفي روسيا، يحتضن مركز تدريب يوري غاغارين منشأة مماثلة لتأهيل رواد الفضاء الروس وضيوفهم الدوليين. كما تمتلك وكالة الفضاء الأوروبية في كولونيا حوضها التدريبي الخاص، الذي يُستخدم بانتظام لإعداد رواد الفضاء الأوروبيين.
حدود المحاكاة.. ما لا يستطيع الماء تعليمه
رغم فاعلية هذا الأسلوب، يظل الماء محاكاةً ناقصة لا بديلاً حقيقياً عن الفضاء. فالاحتكاك المائي يُبطّئ الحركة بصورة مختلفة عن الفراغ التام، كما أن البدلات المستخدمة في التدريب تختلف عن تلك المُعدّة للفضاء الفعلي. لذا يُكمّل رواد الفضاء تدريبهم برحلات على متن طائرات تحلّق بمسارات قوسية خاصة لتوليد لحظات قصيرة من انعدام الجاذبية الحقيقي، تُعرف بـ"رحلات القيء" نظراً لما تُسبّبه من اضطرابات في الجهاز الدهليزي.
استثمار الوقت تحت الماء
يُمضي رائد الفضاء في المتوسط ساعتين من التدريب المائي مقابل كل ساعة واحدة مُخططة من النشاط خارج المركبة في المدار. وبالنسبة لمن يستعد لمهمة تتضمن ست ساعات خارج المحطة، فذلك يعني عشرات الساعات في قاع الحوض، يُعيد فيها تنفيذ كل حركة حتى تصبح انعكاساً تلقائياً لا يحتاج إلى تفكير.
في نهاية المطاف، الفضاء بيئة لا تسامح فيها مع الارتجال. والماء، بكل ما يفرضه من مقاومة وبُطء، هو أفضل معلم يملكه البشر على هذه الأرض.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك