دروس من حفيدتي الصغيرة
كنت أظن مثل كثيرين أن الأطفال جهلة وبريؤون لا وعي لديهم، ومثيرو الفوضى والشغب أنى حلوا، ولا يتقنون غير البكاء والصراخ، ولا يكترثون بمن حولهم، ولا يهتمون بما يقوله آباؤهم وأمهاتهم، ويتصرفون وفق رغائبهم وحاجياتهم، ويخافون من الغرباء.
لكن، ملاحظتي ومراقبتي أطفالي وأحفادي الصغار جعلتني أغير كثيرًا من أفكاري حول الطفولة وعالمها، الذي يختلف عن عالم الكبار، بما يتميز به من عفوية في الوعي والسلوك، وكان في مقدمة من لفتت انتباهي من أولئك الأطفال حفيدتي، التي لقبتها زهرة النرجس بتأثير من قصيدة بعنوان "النرجس Daffodil" للشاعر الرومانسي الإنجليزي وردزورث. وخرجت من تجربتي معها وهي تتدرج في طفولتها حتى الثالثة بأحد عشر درسًا لم أكن أنتبه إليها، أو أقيم لها وزنًا، ولم تمر بي معظمها في كتب علم نفس الطفولة، أو علم النفس التربوي.
الأول: عدم مسايرة القطيع ومواجهته بالصبر والصمت.
لفت انتباهي إلى أن حفيدتي بعد أن خرجت من سجنها الرحمي، وقدمت وجبة صراخ قوي؛ لتعلن أن جهازها الصوتي سليم، ورئتيها قادرتان على التنفس، ولسانها جاهز للاستخدام، وبعد أن وضعتها الممرضة بجانب زميلاتها وزملائها في غرفة الأطفال حديثي الولادة كانت صامتة هادئة، تتنفس بانتظام في حين كان الأطفال الآخرون يقيمون "مأتمًا وعويلا". ربما كانت تستمع إليهم بتعجب، ربما باستنكار ما يفعلون، أو ربما بسخرية وعدم اكتراث.
الثاني: رفض المزيف بديلًا عن الحقيقي.
في بداية مرحلة الرضاعة عندما قدمت لها أمها ما تسمى اللهاية رفضتها، وعدما تكرر زجها في فمها شرعت في البكاء، وكأنها تقول: لا أقبل إلا الحقيقة نفسها. ولم تكف عن البكاء حتى ضمتها أمها إلى صدرها.
الثالث: الإحساس بالمكان.
حفيدتي إذا ما دخلت في مكان جديد تحاول أن تتعرف زواياه وكل جزء منه، وتتعرف مواضعه المضاءة والمعتمة، وتتأمل ما على الجدران من لوحات، وما على الأبواب والسقوف من زخارف، وما علق عليها من مصابيح، وتفرح كما الكبار بالمكان الواسع الممتلئ بالأثاث والتحف الصغيرة لتتحرك كما تحب، وإلى ما تريد. وهي في حركتها لا تهتم بالزمن، إنما زمنها هو الذي بين يديها، إنه الآن الذي فقد بعديه الماضي والمستقبل، اللذين نضيع فيهما نحن الكبار.
الرابع: الحنين إلى البيت.
حفيدتي إذا غابت عن البيت طويلًا، فإنها تعبر عن الرغبة في العودة إليه بطرق مختلفة، وإذا عجزت بكلامها فبصراخها، ثم بالنوم في النهاية، وكأنها ترى في النوم نوعًا من المطالبة القوية لتحقيق العودة إلى البيت، الذي سيكون عندما تكبر رمزًا لوطنها، الذي سيبقى يعيش في قلبها إلى الأبد.
الخامس: معرفة الأشخاص وطريقة التقرب منهم.
حفيدتي تبتسم للقريب وتعبس في وجه الغريب، أو تبعد وجهها عنه، أو تهرب منه. لكنها بعد فترة تحاول اختباره؛ فتلامس ملابسه فجأة وتبعد يدها عنه وهي تبتسم. هكذا حتى تحدد موقفها منه، فتقبل عليه يمد يديها إليه، إذا آنست فيه محبة ومودة، وتهرب إلى صدر أمها في حياء جميل إذا أحست فيه جفاء وغلظة. إنها تحب أن تكون بين أشخاص محبين فرحين.
السادس: الحذر من الأشياء التي تُرى أول مرة.
حفيدتي حذرة من التعامل مع الأشياء التي لا تعرفها وتراها أول مرة، فهي تتدرج في معرفتها بإلحاح وصبر. ففي الشتاء تقترب من المدفأة، وتمد يدها نحوها، وتبعدها بسرعة عندما تحس بالحرارة ولا تعود لتكرار ذلك مرة أخرى، وتحاذر الاقتراب منها وهي مشتعلة.
السابع: الجرأة في مواجهة الحيوانات الأليفة.
لا تخشى حفيدتي اللعب مع قطة البيت، وأحيانًا تهاجمها وتمسك بها من رقبتها أو شعرها، وتلاحقها فرحة إذا تملصت من بين يديها. إنها مفطورة على الجرأة وعدم الخوف ولا تعبأ بمن يخيفها، حتى إن أمها استعانت بها مرة لتقتل صرصورًا جزعت منه في المطبخ.
الثامن: الحرية وحب الانطلاق.
لا تطيق حفيدتي أن تُقيّد حريتها وتُكبّل إرادتها، ففي اللحظات الأولى من ولادتها رفضت أن توضع في الكوفلية، راحت تحرك يديها لتتخلص من تلك الشرنقة التي أدخلت فيها. ثم عندما صارت تحبو كانت تراقب الباب؛ لتتشبث بمن يخرج فتتعلق يه. وعندما تخرج إلى الطبيعة تنطلق في مرح وسرور، تركض وراء الفراشات وتتعثر وتنهض، إنها دائمًا في نشاط وحيوية، بعيدة عن الكسل والخمود. كان يطول بقاؤها في البيت فتأتي بمفتاح السيارة إلى والدها، وتشير إليه أن يخرجها من بين الجدران. إنها تنشد رؤية العالم، ومشاهدة الطبيعة والأسواق والناس والطرقات. لم أر من يعشق الحرية، ويطالب بها مثل حفيدتي.
التاسع: تجنب الإجهاد الصوتي واستخدام كلمات جديدة خاصة.
حفيدتي تحاول أن تتخلص من صعوبة نطق بعض الكلمات؛ فتأتي بكلمات سهلة موجزة، لا تُثقل أعضاءها النطقية؛ فتقول عن الخبز: "نمنم" وعن الماء "امبو"، تقول: "واو" للجرح والألم وغيرها. إن لها طريقتها في النطق، وكلماتها الخاصة للأشياء، كأنها ألغاز لا يدرك معانيها إلا المقربون.
العاشر: الفضول وحب الاكتشاف.
حفيدتي تحب أن تعرف كل شيء، وتختبر كل شيء يقع تحت يديها، ولا تكترث لما يمكن أن يحدث لها. لذا قد تدفع ثمن فضولها ودهشتها عند محاولة لمس أباريز الكهرباء، أو تسلق الدرج، أو القفز عن السرير. ومع قسوة التجربة فإنها لا تتوقف عن التجربة، واقتحام المجهول بالنسبة إليها.
الحادي عشر: الإصرار على تحقيق الهدف.
حفيدتي لا تعرف المستحيل، فإذا ما رغبت في الوصول إلى هدف ما فهي تسعى إليه بقوة، وتستخدم في ذلك مختلف الوسائل، من الابتسام إلى التحبب، إلى التحايل في بعض الأحيان، أو اغتنام غياب الرقيب كالأب والأم. ذات مرة جاءت بمقعد وصعدت إليه؛ لتصل إلى علبة حلوى على رف عال في المطبخ، وفي مرة أخرى ظلت تصرخ طويلًا حتى حصلت على دمية كلب ينبح.
تلك هي الدروس التي تعلمتها من حفيدتي، وهي تلخص في حب الحياة والطبيعة، وحب الناس والحرية، والرغبة في السعادة والمرح، والجرأة في مواجهة الواقع، والتمعن في المكان والأشخاص.
إن عالم الطفولة كما عاينته عند حفيدتي أعادني إلى مبتدأ الوعي والنمو الذي عايشته طفلًا. مبتدأ أحن إليه، وإن استرجاع طفولتي ليس مجرد تذكر ما كنت عليه فحسب، بل مراجعة ما بقي معي من طفولتي أيضًا.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك