قفزة نوعية نحو طب المستقبل..أكسفورد وسانجر تُحمّل جينوماً كاملاً على حاسوب كمومي للمرة الأولى في التاريخ..
في إنجاز وُصف بأنه "لحظة فارقة" في تاريخ علمَي الجينوم والحوسبة الكمومية معاً، أعلن علماء من معهد ويلكم سانجر وجامعات أكسفورد وكامبريدج وملبورن وجامعة كييف الأكاديمية، في التاسع من أبريل 2026، عن تحقيق سابقة علمية عالمية بتحميل جينوم كامل على حاسوب كمومي، في خطوة تُمثّل قفزةً نحو توظيف هذه التقنية لمواجهة أعقد التحديات في علم المعلوماتية الحيوية.
الإطار والتمويل
جاء هذا الإنجاز ثمرةً لمسابقة "Quantum for Bio" (Q4Bio)، وهو برنامج بحثي دولي تنافسي تموّله منظمة ويلكم ليب، يهدف إلى تسريع تطبيقات الحوسبة الكمومية في الرعاية الصحية البشرية، مما قد يُمهّد الطريق أمام تتبع أسرع للأمراض المعدية، وفهم أعمق للاضطرابات الوراثية، وتحديد أدق للطفرات المسبِّبة للأمراض.
الجهاز والخوارزميات
نجح الفريق في تشفير الجينوم الفيروسي باستخدام دوائر كمومية على معالج IBM Heron الأحدث بسعة 156 كيوبت، بعد تطوير خوارزميات خاصة لضغط تسلسلات الحمض النووي وترميزها في حالات كمومية بأعلى كفاءة ممكنة. (R&D World)
واللافت في هذا الإنجاز أن الفريق كان يخطط في البداية لاختبار نهجه على جينوم فيروس "ΦX174" المصاب للبكتيريا، الذي يُعدّ أول كائن حي يُحدَّد تسلسل حمضه النووي عام 1977. غير أن ذلك الجينوم يستلزم حاسوباً بـ387 كيوبتاً، وهو رقم يتجاوز طاقة المعالج المتاح. فانصرف الفريق إلى فيروس التهاب الكبد D، أصغر الفيروسات البشرية المعروفة جينومياً، بـ1,700 قاعدة RNA فحسب.
وقد نجح الفريق في تحميل هذا الجينوم الكامل باستخدام 117 كيوبتاً فقط.
قيادة المشروع والتعاون الدولي
قاد هذا المشروع الدكتور سيرجي ستريلشوك، عالم الحوسبة في جامعة أكسفورد، بالتعاون مع زملائه في معهد ويلكم سانجر ، في نموذج بحثي دولي جمع بين مؤسسات بريطانية وأسترالية وأوكرانية في مسعى علمي موحّد.
ماذا يعني هذا للعلم؟
تكمن أهمية هذا الإنجاز في فتحه الباب أمام ما يُعرف بـ"الجينومات الشاملة" (Pangenomes).
فالجينومات الشاملة هي مجموعات من التسلسلات الجينية لأفراد كثيرين من النوع ذاته، تُمثّل التنوع الوراثي عبر مجتمعات بأكملها. غير أن تحليل جينومات متعددة في آنٍ واحد يُضاعف تعقيد الحسابات تضاعفاً هائلاً، يعجز أمامه أداء الحواسيب التقليدية.
وتتجاوز الأهمية الأكاديمية إلى التطبيق العملي المباشر، إذ يُشكّل هذا العمل خطوة مبكرة نحو استخدام الحوسبة الكمومية لتسريع تتبّع الأمراض، وتعزيز البحث الجيني، وتحليل الطفرات. ويطمح الفريق لتحويل نتائجه إلى أداة قابلة للاستخدام الواسع، في صورة خدمة يُمكّن من خلالها الباحثون من رفع بياناتهم ومعالجتها.
أصوات العلماء
وصف مدير برنامج Q4Bio في ويلكم ليب الدكتور شيهان ساجيد هذا الحدث بقوله: "إنها لحظة مفصلية لعلمَي الجينوم والحوسبة الكمومية معاً. بتحميلنا جينوم التهاب الكبد D على حاسوب كمومي، ممهّدا الطريق لمزيد من الأبحاث في جينوميات الكم، إذ أثبتنا أن البيانات الحقيقية يمكن ترجمتها إلى صيغة تستطيع هذه الآلات الفائقة معالجتها."
نحو الجينوم البشري
يُجمع المشاركون في هذا الإنجاز على أنه مجرد بداية الطريق. فالهدف الأبعد هو التعامل مع الجينوم البشري الكامل الذي يحتوي على 3.2 مليار زوج قاعدي، وهو ما يتطلب أجيالاً قادمة من الحواسيب الكمومية. لكن المعادلة باتت في متناول اليد نظرياً، ومع التسارع الراهن في تطوير المعالجات الكمومية وزيادة عدد الكيوبتات، يصبح السؤال "متى؟" لا "هل يمكن؟".
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك