من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

غوتلاند ...جزيرة سويدية تتحوّل إلى قلعة للناتو في مواجهة موسكو

خاص : " نقاش "
غوتلاند ...جزيرة سويدية تتحوّل إلى قلعة للناتو في مواجهة موسكو


غوتلاند.. "حاملة الطائرات التي لا تغرق" وسط البلطيق



في قلب بحر البلطيق، وعلى بُعد لا يتجاوز 250 كيلومتراً من قاعدة الأسطول الروسي في كالينينغراد، ترقد جزيرة سويدية هادئة تبدو للوهلة الأولى وجهةً سياحية لا أكثر، بشواطئها الصخرية ومدينتها القروسطية العتيقة ". 

لكن خلف هذا الهدوء الخادع، تتصاعد حركة عسكرية غير مسبوقة تحوّل هذه الجزيرة إلى واحدة من أكثر البقاع الجيوسياسية سخونةً في أوروبا اليوم.


إنها غوتلاند؛ الجزيرة التي باتت تُلقَّب بـ"حاملة الطائرات التي لا يمكن إغراقها".

موقع يصنع التاريخ

تقع غوتلاند في منتصف بحر البلطيق، على بُعد نحو 100 كيلومتر من السواحل السويدية و300 كيلومتر من كالينينغراد، معقل الأسطول الروسي في البلطيق.

وتمتد مساحتها على 3160 كيلومتر مربع يسكنها نحو 58 ألف نسمة، فيما تمتد سواحلها على ما يقارب 800 كيلومتر.

والأهم من كل ذلك أنها تتحكم في طرق الملاحة الخارجة من سانت بطرسبرغ وكالينينغراد باتجاه مضيق سكاغيراك وصولاً إلى بحر الشمال .

هذا الموقع الفريد هو ما يجعل من السيطرة على غوتلاند شرطاً أساسياً للسيطرة على بحر البلطيق بالكامل في زمن الحرب.



ووصفها الأميرال البولوني كرزيستوف ياوورسكي، قائد البحرية البولندية، بأنها "المفتاح للسيطرة على بحر البلطيق بأسره"، مضيفاً أن منظومات الصواريخ بعيدة المدى المنتشرة فيها قادرة على تغطية مساحة البلطيق شبه الكاملة.

وهذا ما يجعلها ذات أهمية بالغة لكل دولة مطلّة على هذا البحر .

من الحياد إلى الحصن

قصة غوتلاند قصة تحوّل درامي في السياسة الاستراتيجية الأوروبية.

في عام 2005، وفي خضم موجة من التفاؤل التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، جرى تجريد الجزيرة من قواتها العسكرية مجاملة لموسكو.

لكن سرعان ما أثار ذلك القرار قلقاً عميقاً، إذ رصد المسؤولون السويديون تدفّق زوار غير اعتياديين لا يشبهون السياح، فضلاً عن سفن روسية بدأت ترابط قرب سواحلها.


وحين ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، استيقظت ستوكهولم على الخطر الحقيقي: أُعيد نشر القوات في الجزيرة عام 2016، وبحلول 2018 كان فيها فوج مدرّع دائم، وفي 2021 أُخرجت منظومات الدفاع الجوي من مستودعاتها .

وجاء انضمام السويد إلى حلف الناتو في مارس 2024 ليُضفي بُعداً جديداً على هذه المعادلة، فمنذ ذلك الحين، تحوّل موقع الجزيرة الواقعة في منتصف المسافة بين كالينينغراد وخليج فنلندا، والمسيطرة على طرق الملاحة نحو دول البلطيق، من شأن سويدي داخلي إلى أولوية استراتيجية للحلف بأسره .

مقامرة غوتلاند.. الهاجس السوفيتي والمخاوف الروسية

خلال سنوات الحرب الباردة، كان المخططون الغربيون يتحدثون عمّا أسموه "مقامرة غوتلاند"، وهي سيناريو يقوم على قيام القوات السوفيتية بالاستيلاء على الجزيرة لاختبار ردة فعل الناتو تجاه انتهاك سيادة دولة أوروبية محايدة ومحسوبة على المعسكر الغربي .



اليوم، يعود هذا الهاجس بصورة أكثر إلحاحاً، فالمنطقة تشهد توترات أمنية متصاعدة مع تحذيرات متكررة من احتمال لجوء روسيا إلى ما يصفه المحللون بـ"الخطوات الجرّاحة"، أي السيطرة على جزر صغيرة بما يُتيح لها اختبار تماسك الحلف دون الانزلاق نحو حرب شاملة .

ويرى المحللون الاستراتيجيون أن روسيا لو أحكمت قبضتها على غوتلاند في أي مواجهة مستقبلية، فبإمكانها نشر منظومات دفاع جوي تحول دون وصول الناتو إلى المجال الجوي فوق البلطيق، ومن ثمّ تعطيل أي تعزيزات للدول الأعضاء في شرق الحلف  .

القلعة التي تتشكّل

في قرى الجزيرة الصغيرة، صار السكان يتبادلون الأدوار في ما بات عرفاً راسخاً لا حديثاً عابراً: من يملك مولّداً للطاقة، ومن قادر على تأمين المياه حين تتوقف المضخات، ومن يستطيع تمرير الرسائل حين تصمت الهواتف.

وفي الوقت ذاته، تغرز الحكومة السويدية في الجزيرة كتائب من الجنود و أجهزة الرادار ومنظومات الدفاع الجوي والصواريخ الساحلية،  حتى تجعل منها حصناً لا يُقتحم .

وفي مارس 2024، أقرّ البرلمان السويدي مشروع إنشاء ميناء احتياطي في الجزيرة لاستيعاب قدرات دفاعية متطورة وتسهيل دعم الناتو العملياتي.

كما ترصد الحكومة استثمارات تتجاوز 2.8 مليار كرون سويدي، أي ما يعادل 255 مليون دولار، لتطوير البنية التحتية العسكرية في الجزيرة للفترة الممتدة بين 2018 و2026 .

تدريب "حارس غوتلاند".. التحالف يستعرض عضلاته

في سبتمبر 2025، نُفّذ على الجزيرة تدريبات "حارس غوتلاند" التي جمعت في سيناريوهات افتراضية قوات برية وجوية وبحرية من دول الحلف. إلى جانب الفوج السويدي المرابط في الجزيرة، شاركت وحدات المظليين والصواريخ الساحلية البولندية، في مشهد كثيف الدلالة حول حجم الأهمية التي يوليها الحلف لهذه البقعة الصغيرة.

وكانت قد سبقت ذلك زيارة تفقّدية نادرة قام بها نحو 40 خبيراً من مختلف قيادات الناتو إلى الجزيرة في أبريل 2024، بعد أسابيع قليلة من الانضمام السويدي.

وقد أكد اللواء مارك بولان، رئيس مجموعة التخطيط، عقب  الزيارة أن الجزيرة تمثّل "ركيزة استراتيجية بالغة الأهمية" في منظومة الدفاع الأطلسي في منطقة البلطيق  .

"حاملة الطائرات" التي تخشاها موسكو

وصف خبراء الشؤون الأمنية جزيرة غوتلاند بأنها "حاملة طائرات طبيعية" وسط البلطيق، لما توفّره من قدرة على التحكم في المجال الجوي والممرات البحرية في منطقة محورية من أوروبا  ، فمن على ترابها يمكن توجيه ضربات جوية أو بحرية إلى أي نقطة في بحر البلطيق، ومراقبة حركة السفن والطائرات القادمة من الأراضي الروسية، واستقبال التعزيزات والإمدادات بعيداً عن المتناول الروسي المباشر.

وهي في حال نشوب أزمة، تتيح للقوات السويدية والأطلسية التأثير الفوري على حركة الملاحة الجوية والبحرية في المنطقة، مما يجعل الجزيرة أصلاً استراتيجياً يصعب تقدير قيمته بأرقام  .

الاستنتاج: ساحة المعركة القادمة؟

في ظل حرب أوكرانيا المتواصلة والتوترات المتصاعدة بين الناتو وموسكو، أصبحت غوتلاند أهم من كونها  جزيرة سياحية تتباهى بمدينتها المسوّرة وحقول خشخاشها.

إنها اليوم نقطة الثقل الإستراتيجي في بحر البلطيق؛ الجزيرة التي قد تحسم مسار أي مواجهة مستقبلية في شمال أوروبا، والقلعة التي تُحدّد ما إذا كان البلطيق بحيرةً أطلسية أم ممرّاً مفتوحاً أمام الأسطول الروسي.

وكما قال المحللون العسكريون: من يحكم قبضته على غوتلاند، يُمسك بمقاليد البلطيق.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9161
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.