من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الذكرى الخامسة لرحيل المفكر التونسي هشام جعيط

خالد بيومي
الذكرى الخامسة  لرحيل المفكر التونسي هشام جعيط


بين الاستشراف والتاريخ الكوني


تمرّ اليوم الأول من يونيو ذكرى رحيل المفكر والمؤرخ التونسي الكبير هشام جعيط (1940–2021)، الذي ترك بصمة فكرية راسخة في المشهد العربي والعالمي. عرف جعيط بقراءاته الجريئة للتاريخ الإسلامي وبتجاوزاته لمناهج الاستشراق التقليدية، فاتحًا آفاقًا جديدة لفهم الترابط بين العالم الإسلامي وأوروبا والحضارات الأخرى. مما جسّد استمرارية تأثيره في دمج المقاربات التاريخية بالتحليل الفلسفي والاجتماعي،  وهذا ما جعله مرجعًا لا غنى عنه للباحثين والقراء الراغبين في  تقديم رؤية شاملة للتاريخ.

مسيرته الفكرية كانت مثمرة ومنهجية. قدم جعيط إنتاجًا موسوعيًا ضم دراسات متخصصة وموسوعات تتناول بنية الدولة، الفكر الإسلامي، والتجارب الحضارية المتداخلة.

من بين مؤلفاته الأبرز: "الفتنة" التي عالج فيها ظاهرة الصراع السياسي والديني في بدايات الإسلام بمنهج التحليل الاجتماعي و النقد التاريخي ؛ و"أوروبا والإسلام" التي عالجت التلاقح والتقاطع بين الثقافتين الأوروبية والإسلامية عبر التاريخ؛ و"الكوفة" التي أعادت قراءة مركزية المدينة ودورها في تشكيل الذاكرة السياسية والدينية.


هذه الأعمال لم تكتف بوصف الأحداث، بل سعت إلى تأطيرها داخل مقاربات نظرية تربط التاريخ بالسوسيولوجيا والسياسة.

تكريمات جعيط كانت انعكاسًا للرؤية النوعية في بحثه العلمي. فقد تُوّج بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في دورتها العاشرة (2006–2007) عن حقل الدراسات الإنسانية والمستقبلية؛ اعترافًا بموسوعيته وإسهامه في إعادة بناء السؤال التاريخي حول الهوية والتلاقح الحضاري.

الجائزة لم تكن مجرد لفتة تقديرية، بل اعتراف بأثره في تغيير مفاهيم الاستشراق وإعادة كتابة مشاهد من التاريخ الإسلامي برؤية كونية متعددة الأبعاد.

يُذكر عن جعيط انشغاله بالقضايا المعاصرة من زاوية تاريخية نقدية؛ إذ كان يرى أن فهم الحاضر يستوجب إعادة قراءة الماضي باستقلالية نقدية وبعقلانية تاريخية تحفظ تعددية الأصوات وتتفادى التخييل الأيديولوجي.

هذا النهج جعله محطّ جدل ونقاش، لكنه أيضاً فتح بابًا لظهور  أبحاث رصينة لدى أجيال من الباحثين العرب الذين وجدوا في أعماله منطلقًا لأسئلة جديدة حول الدولة، الدين، والحداثة.

علاوة على إنتاجه البحثي، كان لجعيط حضور أكاديمي وعملي؛ إذ أسهم في تدريب أجيال من الباحثين وشارك في مؤتمرات دولية ونشر مقالات نقدية في مجلات عربية وأجنبية. كما تُرجمت بعض أعماله، ما ساهم في نقل قضايا التاريخ الإسلامي وخصوصية التجربة العربية إلى جمهور أوسع.

هذا الحوار الثقافي يعكس قيمة مشروعه في ربط المحلي بالعالمي، وتقديم قراءة تاريخية لا تنفصل عن السياق الإنساني العام.

اليوم، بعد مرور 5 سنوات على رحيله، تظل مؤلفات هشام جعيط منارات فكرية. قراءته للتاريخ لا تزال مرجعًا لمن يريد فهم تعقيدات التحولات السياسية والدينية والاجتماعية في العالم الإسلامي، ولمن يسعى إلى تجاوز القوالب السردية التقليدية بمقاربات أكثر انفتاحًا ومنهجية. وفي فضاءات النقاش الأكاديمي والثقافي، يبقى اسمه علامة على التزام معرفي يجمع بين النقد والإنصاف والرؤية الكونية.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9177
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.