" الإستنزاف الصامت "
"حين يستهلكك كل شيء… دون أن يلاحظ أحد " ،،،
ليس كل التعب يُرى و لا كل المعارك يكون لها صوت .
هناك أشخاص يذهبون إلى أعمالهم يومياً ، يضحكون ، يتحدثون بشكل طبيعي ، ينجزون المطلوب منهم ، وربما يَبدون للجميع " بخير ”… بينما هم في الداخل يخوضون حرباً صامتة مع الإرهاق ، والضغط ، والتعب النفسي الذي يتراكم ببطء حتى يسرق منهم القدرة على الشعور بأي شيء .
هذا ما يمكن أن نطلق عليه“ الإستنزاف الصامت " .
ذلك النوع من الإستنزاف الذي لا يأتي في لحظة إنهيار مفاجئة ، بل يتسلل إلينا تدريجياً … مرة بعد مرة … وموقفاً بعد موقف …
حتى نجد أنفسنا فجأة غير قادرين على الاستمرار بنفس الروح .
الإستنزاف الصامت يبدأ غالباً من الأشياء التي نظنها بسيطة … من المجاملة الزائدة التي تجعلنا نوافق على ما لا نريده ، من تحمل مسؤوليات أكبر من طاقتنا خوفاً من خذلان الآخرين ، من السكوت الطويل عن كل ما يزعجنا حتى لا نخسر أحداً .
من محاولة الظهور دائماً بصورة “القوي” الذي لا يتعب ولا يشتكي .
ويبدأ أيضاً حين يعتاد الإنسان أن يؤجل نفسه بإستمرار … إحتياجاته ، راحته ، مشاعره وحتى حزنه .
في كل مرة تقول فيها “أنا بخير” بينما أنت لست كذلك …
في كل مرة تبتلع غضبك حتى لا تفتعل مشكلة …
في كل مرة تُجبِر نفسك على الاستمرار فقط لأن التوقف غير مسموح … أنت تستنزف جزءا منك دون أن تشعر .
الأصعب في الإستنزاف الصامت ، أنه لا يترك جروحاً واضحة .
لا أحد يرى الضغط النفسي الذي تحمله ، ولا عدد الليالي التي لم تنم فيها جيداً ، ولا حجم الأفكار التي تستهلكك طوال الوقت .
لذلك كثيراً ما يُساء فهم الأشخاص المستنزَفين .
فيُقال عنهم إنهم تغيروا ، أو أصبحوا باردين ، أو إنعزاليين ، أو لا يملكون شغفاً كما كانوا .
بينما الحقيقة أنهم فقط …exhausted من الداخل .
فالإنسان حين يظل قوياً لفترة طويلة دون راحة ، لا ينهار فجأة دائماً … أحياناً يفقد رغبته في كل شيء بالتدريج . يفقد طاقته للكلام ، وشغفه بالأشياء التي كان يحبها ، وقدرته على التفاعل ،
حتى نفسه الطويل في التحمل يبدأ في النفاد .
الإستنزاف الصامت قد يأتي من العمل ،
من العلاقات ، من الضغوط المادية ،
من المسؤوليات الكثيرة ، وأحياناً … من محاولة النجاة وحدك طوال الوقت .
هناك أشخاص لم يعودوا يريدون شيئاً من الحياة ليس لأنهم يكرهونها … بل لأنهم تَعِبوا أكثر مما ينبغي .
ولهذا ، من المهم أن يفهم الإنسان أن الراحة ليست ضعفاً ، وأن طلب الدعم ليس عيباً ، وأن الانسحاب أحياناً من كل ما يؤذيك … نجاة ، لا أنانية .
تعلم أن تتوقف قبل أن تنهار . أن تمنح نفسك حق الراحة دون تأنيب ضمير . أن تعترف بأنك مرهق بدلاً من إدعاء القوة طوال الوقت .
ليس مطلوباً منك أن تتحمل كل شيء وحدك . ولست آلة مطالبة بالإستمرار مهما حدث .
أحياناً أكثر الأشخاص إحتياجاً للإحتواء
هم أولئك الذين يقولون دائماً " أنا بخير " .
فالإنسان لا ينكسر دائماً بالصوت العالي … أحياناً يذبل بهدوء ، حتى يختفي بريقه تماماً دون أن ينتبه أحد .
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك