من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

" الإستنزاف الصامت "

منى بغدادي



"حين يستهلكك كل شيء… دون أن يلاحظ أحد " ،،،

ليس كل التعب يُرى و لا كل المعارك يكون لها صوت .

هناك أشخاص يذهبون إلى أعمالهم يومياً ، يضحكون ، يتحدثون بشكل طبيعي ، ينجزون المطلوب منهم ، وربما يَبدون للجميع " بخير ”… بينما هم في الداخل يخوضون حرباً صامتة مع الإرهاق ، والضغط ، والتعب النفسي الذي يتراكم ببطء حتى يسرق منهم القدرة على الشعور بأي شيء .

هذا ما يمكن أن نطلق عليه“ الإستنزاف الصامت " .

ذلك النوع من الإستنزاف الذي لا يأتي في لحظة إنهيار مفاجئة ، بل يتسلل إلينا تدريجياً … مرة بعد مرة … وموقفاً بعد موقف …

حتى نجد أنفسنا فجأة غير قادرين على الاستمرار بنفس الروح .

الإستنزاف الصامت يبدأ غالباً من الأشياء التي نظنها بسيطة … من المجاملة الزائدة التي تجعلنا نوافق على ما لا نريده ، من تحمل مسؤوليات أكبر من طاقتنا خوفاً من خذلان الآخرين ، من السكوت الطويل عن كل ما يزعجنا حتى لا نخسر أحداً .

من محاولة الظهور دائماً بصورة “القوي” الذي لا يتعب ولا يشتكي .

ويبدأ أيضاً حين يعتاد الإنسان أن يؤجل نفسه بإستمرار … إحتياجاته ، راحته ، مشاعره وحتى حزنه .

في كل مرة تقول فيها “أنا بخير” بينما أنت لست كذلك …

في كل مرة تبتلع غضبك حتى لا تفتعل مشكلة …

في كل مرة تُجبِر نفسك على الاستمرار فقط لأن التوقف غير مسموح … أنت تستنزف جزءا منك دون أن تشعر .

الأصعب في الإستنزاف الصامت ، أنه لا يترك جروحاً واضحة .

لا أحد يرى الضغط النفسي الذي تحمله ، ولا عدد الليالي التي لم تنم فيها جيداً ، ولا حجم الأفكار التي تستهلكك طوال الوقت .

لذلك كثيراً ما يُساء فهم الأشخاص المستنزَفين .

فيُقال عنهم إنهم تغيروا ، أو أصبحوا باردين ، أو إنعزاليين ، أو لا يملكون شغفاً كما كانوا .

بينما الحقيقة أنهم فقط …exhausted من الداخل .

فالإنسان حين يظل قوياً لفترة طويلة دون راحة ، لا ينهار فجأة دائماً … أحياناً يفقد رغبته في كل شيء بالتدريج . يفقد طاقته للكلام ، وشغفه بالأشياء التي كان يحبها ، وقدرته على التفاعل ،

حتى نفسه الطويل في التحمل يبدأ في النفاد .

الإستنزاف الصامت قد يأتي من العمل ،

من العلاقات ، من الضغوط المادية ،

من المسؤوليات الكثيرة ، وأحياناً … من محاولة النجاة وحدك طوال الوقت .

هناك أشخاص لم يعودوا يريدون شيئاً من الحياة ليس لأنهم يكرهونها … بل لأنهم تَعِبوا أكثر مما ينبغي .

ولهذا ، من المهم أن يفهم الإنسان أن الراحة ليست ضعفاً ، وأن طلب الدعم ليس عيباً ، وأن الانسحاب أحياناً من كل ما يؤذيك … نجاة ، لا أنانية .

تعلم أن تتوقف قبل أن تنهار . أن تمنح نفسك حق الراحة دون تأنيب ضمير . أن تعترف بأنك مرهق بدلاً من إدعاء القوة طوال الوقت .

ليس مطلوباً منك أن تتحمل كل شيء وحدك . ولست آلة مطالبة بالإستمرار مهما حدث .

أحياناً أكثر الأشخاص إحتياجاً للإحتواء

هم أولئك الذين يقولون دائماً " أنا بخير " .

فالإنسان لا ينكسر دائماً بالصوت العالي … أحياناً يذبل بهدوء ، حتى يختفي بريقه تماماً دون أن ينتبه أحد .

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

1 تعليق
سعود الغرابي 01/06/2026 - 09:59 PM
مقال يمسُّ الكثير الكثير من الناس..أولئك الذين يحاولون دوماً أن يكسبوا رضا الغير على حساب أنفسهم وذواتهم..لينعكس ذلك شيئاً فشيئاً على أرواحهم وطاقاتهم وقدراتهم وحماسهم وشغفهم وليكتشفوا ذلك في وقت متأخر بعد أن يكونوا قد فقدوا الكثير…مقال يمثل رسالة صادقة لنا جميعاً…شكراً أستاذه منى

أضف تعليقك

9185
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.