من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

متحف هيروشيما التذكاري للسلام: حين تتحوّل الأشياء إلى شهود على الجريمة

طوكيو : " نقاش "
متحف هيروشيما التذكاري للسلام: حين تتحوّل الأشياء إلى شهود على الجريمة


حين يصمت التاريخ، تتكلم الأشياء


ساعة توقفت.. وعالم لم يعد كما كان


الساعة الثامنة وخمس عشرة دقيقة صباحاً، السادس من أغسطس 1945. في تلك اللحظة بالضبط، توقفت ساعة أكيتو كاواغوي إلى الأبد، في اللحظة التي انفجرت فيها القنبلة فوق هيروشيما  .

اليوم، تقف تلك الساعة الصدئة في قلب متحف هيروشيما التذكاري للسلام، وحولها آلاف القطع الأخرى التي تروي ما اأغفلته  الكتب: أن الحرب النووية ليست أرقاماً في وثائق، بل هي غداء طفل لم يُكمله، وزي مدرسي احترق قبل أن يصل صاحبه إلى فصله.

متحف من رحم الرماد

منذ افتتاحه في عام 1955، يحتضن متحف هيروشيما التذكاري للسلام رسائل حول فظائع الحرب والأسلحة النووية من خلال معروضاته التي تضم صوراً وتذكارات لضحايا الانفجار  .

أُقيم المتحف في قلب حديقة السلام التذكارية بوسط هيروشيما، على بُعد أمتار من "قبة الجحيم" — الهيكل المدمّر الوحيد الذي صمد في مواجهة الانفجار، وباتت صورته رمزاً أممياً للتحذير من السلاح النووي.

يجمع المتحف ويعرض المتعلقات التي تركها الضحايا، والصور، والمواد الأخرى التي تسجل لحظات رعب ذلك الحدث، مُعزَّزةً بمعروضات تصف هيروشيما قبل القصف وبعده، وأخرى تستعرض الوضع الراهن للعصر النووي .

صمّم مبنى المتحف الرئيسي المهندس المعماري الياباني الشهير كنزو تانج، في تصميم يرفع البناء عن الأرض كأنه يُعلن أنه يسمو فوق الدمار.


يعرض المبنى الرئيسي المتعلقات الشخصية للضحايا وصوراً توثق العواقب الكارثية للقصف، مع تركيز خاص على التجارب الفردية للضحايا. وكثير من المعروضات تضررت بشدة جراء القنبلة، وتُستبدل بصفة دورية كل عام، لا سيما الملابس، للحدّ من تدهورها على المدى البعيد .

حين تُدين الأشياء أكثر من المحاكم

ما يميّز هذا المتحف عن سائر المتاحف التاريخية في العالم هو أنه لا يكتفي بعرض وقائع، بل يضع الزائر أمام أدلة شاهدة على الطابع الإجرامي للأسلحة النووية. كل قطعة معروضة تحمل اسماً وعمراً وحكاية.

دراجة شين الثلاثية: دراجة صدئة وخوذة طفل. شينيتشي تيتسوتاني، ثلاث سنوات فقط، كان يركب دراجته في حديقة البيت حين أطاح به الانفجار ، ودفنه والده في الحديقة برفقة دراجته التي أحبّها، وبعد أربعين عاماً، أخرجها الوالد من الأرض وتبرع بها للمتحف بعد أن منح ابنه قبراً لائقاً  ، تلك الدراجة الصغيرة لا تمثّل طفلاً واحداً، بل تمثّل كل طفولة أجهضتها القنبلة في غفلة من التاريخ.

أزياء التلاميذ الممزقة:  معروضة في المتحف ليس في الحقيقة ملكاً لتلميذ واحد، بل هي مجموعة ملابس تعود لثلاثة أولاد مختلفين.


هؤلاء الأولاد كانوا ضمن 353 طالباً من طلاب المرحلة الإعدادية، كُلِّفوا هذا الصباح  بإزالة أنقاض على بُعد 900 متر من مركز الانفجار. لم ينجُ أيٌّ من هؤلاء الأولاد الـ353 من إصاباته  .

طيور الورق وفتاة لم تتمنَّ سوى أن تحيا: ساداكو ساساكي كانت في الثانية من عمرها حين أُلقيت القنبلة على هيروشيما.

نجت من الانفجار دون إصابة ظاهرة، لكنها بدأت تعاني أعراض سرطان الدم بعد تسع سنوات، ثم رحلت متأثرةً بمرضها  .

وخلال إقامتها في المستشفى، طفقت تطوي أكثر من ألف طائر ورقي من الأوراق التي كانت تجدها، متمسكةً بالأسطورة اليابانية التي تعد من يطوي ألف طائر بتحقيق أمنيته. لكن أمنيتها لم تتحقق.. طيورها الورقية الأصلية تُعدّ اليوم من أثمن قطع المتحف، رمزاً لألم الناجين الذين تعرضت  أجسامهم للإشعاعات ببطء.

بنيان من جناحين، وذاكرة واحدة

تتوزع معروضات المتحف على أربعة أقسام رئيسية: معرض تمهيدي في الجناح الشرقي، وقسم "واقع القنبلة الذرية" في المبنى الرئيسي، وقسم "أخطار الأسلحة النووية"، وقسم "تاريخ هيروشيما" في الجناح الشرقي  .

يركز المتحف الآن على قصص الأفراد الذين كانوا ضحايا القنبلة في ذلك اليوم، بغض النظر عن جنسيتهم أو خلفيتهم الثقافية، في محاولة لرسم صورة إنسانية كاملة للحدث  ، فضحايا هيروشيما لم يكونوا يابانيين وحدهم؛ كان بينهم كوريون وصينيون وعمال من دول أخرى جلبتهم الحرب إلى هذه المدينة.

أرقام تنمو.. وخطر لا يزول

أعلن المتحف أنه استقطب 2,580,926 زائراً خلال السنة 2025، مسجّلاً رقماً قياسياً للعام الثالث على التوالي، بارتفاع بلغ 14% مقارنةً بالعام السابق.


وتجاوز عدد الزوار الأجانب 945,618 زائراً، أي أكثر من 30% من إجمالي الزوار . وفي مارس 2025، تجاوز إجمالي الزوار منذ الافتتاح عتبة 80 مليون زائر، بعد سبعين عاماً من التشغيل.

هذا الإقبال المتصاعد لا يعكس فضولاً سياحياً فحسب، بل يجيء في سياق تصاعد القلق الدولي إزاء العودة إلى خطاب التهديد النووي في عدة بؤر توتر حول العالم، مما يجعل رسالة هيروشيما أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

"لا هيروشيما أخرى"

من خلال متعلقات الضحايا وقطع أثرية من القصف وشهادات الناجين والمواد ذات الصلة، يحمل متحف هيروشيما التذكاري للسلام إلى العالم رسالةً واحدة مكثّفة: "لا هيروشيما أخرى".

في زمن تتوالى فيه النزاعات وتُستعرض فيه القدرات النووية كورقة ضغط، يظل هذا المتحف الأكثر هدوءاً والأعلى صوتاً في آنٍ معاً؛ مبنى لا يصرخ ولا يخطب، لكنه يضع بين يديك حذاء طفل وزجاجة منصهرة وساعةً متوقفة، ويتركك وحدك مع سؤال لا  توجد إجابة سهلة له: كم هيروشيما يحتاجها العالم ليتعلّم؟

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9187
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.