من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

المواد الإباحية تحت مجهر العلم

خالد بيومي
المواد الإباحية تحت مجهر العلم


إتزيوني والمنهج: حين تتكلم الأرقام


خلص عالم الاجتماع الأميركي أميتاي إتزيوني، أحد أبرز المثقفين الأكاديميين في العالم الغربي، إلى استنتاجات بالغة الخطورة بشأن الأضرار النفسية والاجتماعية الناجمة عن التعرض للمواد الجنسية الفاضحة، وذلك بعد تحليل معمّق لما يزيد على ٤٦ دراسة علمية أُجريت خلال أكثر من ثلاثة عقود متتالية.

وُلد إتزيوني عام ١٩٢٩، وهو عالم اجتماع أميركي-إسرائيلي اشتُهر بأعماله في السوسيو-اقتصاد ونظرية المجتمعانية، وقد شغل منصب أستاذ علم الاجتماع في جامعة كولومبيا لعشرين عامًا متواصلة، كما تولّى رئاسة قسم علم الاجتماع فيها، فضلًا عن توليه منصب المستشار الأول في البيت الأبيض بين عامَي ١٩٧٩ و١٩٨٠.

لاحقًا، انضمّ إلى أعضاء هيئة التدريس في جامعة جورج واشنطن عام ١٩٨٠، حيث أسّس معهد دراسات السياسات المجتمعية وتولّى إدارته .

وقد شهد له زملاؤه بغزارة إنتاجه وجرأته الفكرية، إذ كتب في موضوعات شتى بعيدة عن الأروقة الأكاديمية الضيقة، من سباق التسلح النووي إلى مشكلات التعليم الأميركي، وصولًا إلى المخاوف المتعلقة بالإباحية وتداعياتها على المجتمع  .

وقد لخّصت مجلة تايم هذا الثراء الفكري بوصفه ذات مرة بـ"مهنةٍ بأسرها في رجلٍ واحد" .

خمسة أضرار موثّقة: من الإساءة إلى انهيار العلاقات

تستند نتائج إتزيوني إلى جسم ضخم من الأبحاث المتراكمة، وتكشف عن منظومة متشابكة من الأضرار تطال الفرد والمجتمع على حدٍّ سواء:

أولًا: تبني الإساءة الجنسية 

يُشير التحليل إلى وجود ارتباط وثيق بين التعرض للمواد الجنسية الصريحة وارتكاب الإساءات الجنسية. وتُعزز هذه النتيجة أبحاثٌ أحدث، إذ تُشير إلى أن المواد الجنسية غير العنيفة قد تُنبئ بالسلوك العدواني جنسيًا، لأن المستهلكين الذين أصابهم التبلّد الحسّي لا يدركون أحيانًا الطابع العنيف لما يشاهدون .

ثانيًا: اكتساب سلوكيات جنسية منحرفة

يُنبّه الباحثون إلى أن المواد الإباحية تُشكّل نماذج سلوكية تُستدخَل تدريجيًا. فقد خلصت دراسة ضمّت ١١٨١ طالبًا جامعيًا في ألمانيا إلى أن التعرض للمواد الإباحية وتصوُّرها باعتبارها واقعًا حقيقيًا يتنبأ ارتباطًا موثوقًا بسلوكيات جنسية محفوفة بالمخاطر، إلى جانب تبنّي نصوص جنسية تُفتقر إلى الموافقة المتبادلة .

ثالثًا: القبول بالاغتصاب وتقليل مأساته

كشفت تحليلات مضمون المواد الإباحية أن ما نسبته ٩٠٪ من الممثلات المراهقات وأكثر من ٨٠٪ من الممثلات البالغات يتفاعلن مع السلوك الجنسي العدواني بمشاعر تُحاكي المتعة ، مما يُرسّخ في أذهان المشاهدين معايير مشوّهة تُهوّن من جريمة الاغتصاب وتُزيف حقيقتها.

رابعًا: تصاعد العدوانية والعنف

أكّد كبار الباحثين في هذا المجال وجود روابط راسخة بين استهلاك المواد الإباحية من جهة، والسلوك الجنسي العدواني والمواقف المتسامحة مع العنف الجنسي من جهة أخرى  .

خامسًا: تعقيد العلاقات الحميمة وتدميرها

يُفضي الاستهلاك المتواصل للمواد الإباحية إلى بناء توقعات جنسية غير واقعية، ويُضعف القدرة على بناء علاقات حميمة سويّة وصحية، وهو ما تُجمع عليه الدراسات التي استند إليها إتزيوني.

سياق أوسع: توافق علمي متنامٍ

لا تقف نتائج إتزيوني في فراغ أكاديمي؛ فقد تراكمت شواهد علمية لاحقة تُعمّقها وتُوسّعها. أثبتت التحليلات  للدراسات التجريبية تأثير المواد الإباحية في تعزيز السلوك العدواني وتقبّل الاغتصاب، كما وجدت الدراسات المشابهة دليلًا على صلتها بأعمال العدوان الجنسي الفعلية في عينات من المجتمع العام  .

وقد كشفت دراسة أجريت على ٥٩٨ مشاركًا عن ثلاثة ملامح نفسية مميّزة، أشدّها إثارة للقلق تلك الفئة التي جمعت بين الاستهلاك المرتفع للمواد الإباحية وسمات الشخصية العدوانية، وكان أصحابها الأكثر قبولًا لأساطير العدوان الجنسي  .

الخلاصة: مسؤولية علمية في مواجهة صمت اجتماعي

تُمثّل أبحاث إتزيوني صرخةً أكاديمية في مواجهة تيار ثقافي يميل في أحيان كثيرة إلى تهوين هذه المسألة أو التغافل عنها. فالعالم الذي أوصى بضرورة الموازنة بين الحقوق الفردية والمسؤوليات الاجتماعية طوال مسيرته الأكاديمية الممتدة  ، يُذكّرنا بأن الحرية الفردية لا يمكن أن تُقرأ بمعزل عن تداعياتها الاجتماعية، وأن الضرر الذي توثّقه الدراسات ليس ضررًا افتراضيًا، بل هو واقعٌ يعيشه أفراد ومجتمعات.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9192
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.