من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

رؤية ذائقية لقصة الحُلم المكسور للأديب محسن النوبي

بقلم إيمان العسال
رؤية ذائقية لقصة الحُلم المكسور للأديب محسن النوبي

 


 القراءة المتأنية للحلم المكسور تكشف عن بُنية رمزية عميقة إذا يفتتح الأديب محسن النوبي النص بمشهد " تفك ضفائرها أمام مرآة العمر "

تبدو العبارة في ظاهرها وصفًا لإمرأة ترثي شبابها ثم تنقلنا النهاية لمشهد احتضار به مظاهر الوداع من دموع وتوسل وغيرها ..


فإذا قرأناها بوصفها رمزًا فإن البنية السردية تكتسب تماسكًا كبيرًا .

فتتشابك الضفائر تمامًا كما تتشابك سنوات العمر داخل الذاكرة، ومن ثم يصبح فعل " فك الضفائر " معادلًا رمزيًا لفك تشابكات الحياة ، البطلة تفك عمرها لا شعرها .


أما مرآة عمرها هى مرآة الوعى التي تعكس التجربة الإنسانية بأكملها، هذه اللحظة تقف البطلة فيها امام حصيلة حياتها بكل ما فيها من سعادة وفقد.


وبهذا يصبح الفلاش باك هنا ضرورة فنية لا حيلة سردية ، كل عقدة من الضفيرة تُفك تستدعي ذكرى " الجميزة ، الزوج ، القُبلة ، الأرض " كل خصلة من شعرها جزءًا من ذاتها .

"شجرة الجُميز " تُمثل الرمز الأهم ، فهى الوحيدة التي نجت من التغير، "الزوج رحل ، الأرض ضاعت ، الأبناء تبدلت قلوبهم " ، اما الجُميزة فبقيت ماكثة ، ولهذا تحولت من عنصر مكاني إلى وعاء ذاكرة .


"الأرض " ليست ملكية زراعية ، بل رمزًا للجذور والإستقرار والهوية ، فلم يعد لها وجود سوى في الذاكرة .

ثم يأتي " النهر " ليمثل الزمن فهو يسير في مسار واحد ، فهو حاضر حتى في استرجاعه ،

ايضًا مشهد سقوط الزوج في النهر له دلالته ، لقد منح الكاتب البطلة شعورًا بالخوف من الفقد مبكرًا ، وكأن النص يقدم صورة مبكرة للموت وتأثيره قبل وقوعه بالفعل. لقد كان المشهد استباقًا رمزيًا للنهاية لا مجرد ذكرى رومانسية.

تصل القصة لذروتها حين يتداخل الماضي بالحاضر " الزوج الميت يحاورها ، الابناء يبكونها ، هنا لا يستطيع القارئ التمييز بين الذاكرة والعالم المحيط .لكن هذا التداخل يمنح النص بُعدًا إنسانيا مؤثرًا لأنه يُحاكي طبيعة الوعى لحظة الاحتضار ، حين تتداخل الأزمنة وتتجاور الوجوه الغائبة والحاضرة .


ورغم ذلك ، نرى قصورًا في السرد ، فالنص يعتمد على انتقالات مفاجئة بين الأزمنة والمشاهد دون ربط كافٍ في بعض المواضع، ظهور الزوج محاورًا للبطلة قد يربك القارئ قبل ان يدرك طبيعة المشهد.


 كذلك القراءة الرمزية لمشهد البداية" تفك ضفائرها " تعتمد على القراءة التأويلية وهو ما يجعل جزءًا من التماسك البنائي يعتمد على اجتهاد القارئ 

لكن قد يمكن أن تُبرر سرعة الانتقالات لتناسب وقت الاحتضار ، حيث أن استرجاع ما مضى في هذه اللحظة، يكون بعيدًا عن حسابات المنطق ، و يصعب استيعابه .


ورغم هذه الملاحظات، تنجح القصة في تقديم رؤية مؤثرة للإنسان ، في لحظة لم يكن الموت فيها الحدث الجوهري ، بل هو المحطة الأخيرة من سلسلة من الخسائر، الموت لم يكن سوى العقدة الأخيرة التي تُفك من ضفيرة العمر.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9220
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.