موسكو ترسخ وجودها العسكري في سوريا
أعاد تقرير حديث لصحيفة «وول ستريت جورنال» ملف الوجود العسكري الروسي في سوريا إلى واجهة الاهتمام الدولي، بعدما كشف عن تحركات موسكو التي توّجت بإعادة ترتيب طويل المدى في قاعدتي «حميميم» الجوية و«طرطوس» البحرية. يأتي هذا التطور في سياق سعي موسكو لتعزيز موطئ قدم استراتيجي يبقى قائماً رغم التغيرات الميدانية والسياسية في المنطقة، ويعكس مزيجاً من أهداف عسكرية وسياسية ودبلوماسية تسعى روسيا من خلاله إلى الاحتفاظ بنفوذ دائم في شرق البحر المتوسط.
لا تزال القواعد الروسية قائمة في سوريا، لكن بقواعد اشتباك وتفاوض جديدة كلياً. كيف توازن دمشق اليوم بين حاجتها للنفط والدعم الروسي، وبين رغبتها في تقليص النفوذ العسكري لموسكو؟
التحرك الروسي تضمن تحديث بنية القاعدتين وتوسيع قدراتهما التشغيلية، بما يشمل تقوية الدفاعات الجوية، وتحديث مرافق الإمداد والصيانة للطائرات والسفن، إضافة إلى إنشاء مواقع دعم لوجستية وقدرات إلكترونية متقدمة.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية وبرامج الرصد العسكري تنامي نشاط البناء والعمل الهندسي داخل محيط المطار في حميميم والمرفأ في طرطوس، ما يشير إلى نية موسكو البقاء لفترة طويلة مع تقليل اعتمادها على الاتفاقيات المؤقتة أو الترتيبات القائمة على قدرة النظام السوري فقط على الضمان.
من زاوية موازين القوى الإقليمية، تمنح هذه الخطوات روسيا ميزة استراتيجية تمكنها من التحكم بقدر أكبر في خطوط الملاحة والردع البحري والجوي في شرق البحر المتوسط، كما توفر لها قاعدة انطلاق لعمليات بحرية وجوية أبعد مدى. وعلى الصعيد السياسي، يتيح الوجود الدائم لموسكو أوراق ضغط في أي مفاوضات إقليمية أو نزاعات مستقبلية، كما يعزّز من صورتها كقوة لا غنى عنها في ملف سوريا وفي معادلات الأمن الإقليمي.
الترتيب الجديد لا يخلو من أبعاد اقتصادية ودبلوماسية؛ فوجود قواعد قوية يسهل على روسيا التفاوض بشأن عقود إعادة الإعمار واستثمارات مرتبطة بالبنى التحتية والموانئ، ويمنحها دوراً أكبر في صياغة المسارات السياسية المقبلة.
بالمقابل، فإن هذا التمركز يعيد طرح أسئلة لدى الدول الإقليمية والغربية حول مستقبل التوازنات في المتوسط وإمكانية تصاعد مناخ التوتر بين القوى البحرية والجوية المتنافسة.
من منظور دمشق، يشكل دعم موسكو ضمانة أمنية وسياسية أساسية، لكن الاعتماد المتزايد على الوجود الروسي قد يُقيد هامش المناورات السيادية للحكومة السورية أمام الضغوط الإقليمية والدولية. أما القوى الإقليمية مثل تركيا وإيران وإسرائيل، فتراقب هذا التحول بعين حذرة، كلٌ وفق مصالحه، مع احتمال تنسيق أو احتكاك يعيد تشكيل خطوط الاشتباك والتعاون.
يبقى السؤال الأبرز هو مدى رغبة روسيا في تحويل هذا الوجود إلى التزام دائم طويل الأمد مع استثمارات بشرية ومادية كبيرة، وما إذا كانت الضمانات القانونية والدبلوماسية اللازمة ستُرسى بشكل يحمي مصالح موسكو ويُخفف من احتمالات التصادم مع قوى أخرى تسعى للحضور في البحر المتوسط.
ومع استمرار التطورات الميدانية والسياسية في سوريا والمنطقة، سيبقى ملف القاعدتين محور متابعة دولية لما له من أثر استراتيجي بعيد المدى.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك