تمسرح نظام التفاهة: قراءة نقدية في المسرحية الثنائية (صباح يوم ماطر بالتفاهات)
في زمن لم تعد فيه التفاهة مجرد سلوك عابر، بل تحولت إلى نظام ثقافي واجتماعي يهيمن على أنماط التفكير والتلقي، تأتي مسرحية (صباح يوم ماطر بالتفاهات) بوصفها محاولة مسرحية واعية لقراءة هذا الواقع وتشريحه جماليا وفكريا، لا عبر الخطاب المباشر أو الوعظي، بل من خلال بناء درامي مشحون بالمفارقة والسخرية والأسئلة الوجودية. إنها ليست مسرحية تقدم عن التفاهة، بل عرض يتسلل إلى جوهرها، ويكشف آليات اشتغالها في الحياة اليومية، وفي اللغة، وفي العلاقات الإنسانية، وفي أبسط تفاصيل الحياة.
في افتتاح (مهرجان المسرح البابلي) الدورة السابعة وعلى قاعة مسرح كلية الفنون الجميلة / جامعة بابل يوم الثلاثاء المصادف 14/ 4 / 2026م قدمت المسرحية الثانية (صباح يوم ماطر بالتفاهات)، والعرض توج بالمركز الأول وحصد جائزة أفضل عمل مسرحي متكامل في المسابقة الرسمية للمهرجان، بالإضافة إلى نيله جائزة رابطة النقد المسرحي المشاركة كأفضل عمل مسرحي متكامل أيضاً، ما يلفت النظر أولا في هذه التجربة هو طبيعتها الثنائية النادرة، فهي تجربة قائمة على تأليف، وإخراج، وتمثيل مشترك بين فنانين يقفان على خشبة المسرح بوصفهما شريكين في صناعة المعنى لا مجرد مؤدين لأدوار مكتوبة سلفا. كل من الدكتور احمد محمد عبد الأمير، والدكتور علي رضا حسين وهذه الثنائية ليست مجرد مشاركة عملية للمهام، بل بنية جمالية وفكرية قامت عليها التجربة من أساسها. فالمسرح في العادة، يعرف تقاسما واضحا بين الكاتب والمخرج والممثل، لكن هذه التجربة كسرت هذا الفصل التقليدي، لتنتج خطابا فنيا قائما على الحوار الخلاق بين عقلين وجسدين وخبرتين مسرحيتين.

ولعل هذا ما منح العرض خصوصيته، إذ لم يكن ثمة صوت أحادي مهيمن، بل نوع من الجدل الفني الحي داخل العرض. بدا المؤديان وكأنهما يكتبان المسرحية وهما يؤديانها، ويعيدان إخراجها في كل لحظة من لحظات التفاعل فوق الخشبة.
وهذا شكل نادر في الإنتاج المسرحي العربي، لأن العمل الثنائي الحقيقي لا يتحقق بمجرد اشتراك شخصين، بل يحتاج إلى تناغم عميق وثقة فنية عالية، وقدرة على تفكيك الأنا الفنية لصالح مشروع مشترك.
تستند المسرحية إلى أحد أهم الطروحات النقدية المعاصرة، وهي طروحات الفيلسوف الكندي (آلان دونو) في كتابه الشهير (نظام التفاهة)، الذي قدم تشخيصا حادا لمجتمع باتت فيه الرداءة تدار بوصفها معيارا للنجاح، ويكافأ فيه الامتثال السطحي على حساب العمق والكفاءة والمعنى. غير أن العرض لا يقدم أطروحات (دونو) بوصفها ترجمة حرفية للمقولات، بل يعيد تمسرحها وتحويلها إلى حالات إنسانية ومواقف وسينوغرافيا.
نقل العرض المفهوم من الحقل الفلسفي إلى الحقل المسرحي، من النص التنظيري إلى الجسد، ومن الفكرة المجردة إلى الفعل الحي. فالتفاهة هنا ليست خطابا يقال، بل واقع يعاش أمام المتفرج. إنها تتجسد في اللغة، في الصمت، في الحركة، في المفارقات، وفي العلاقات المختلة بين الشخصيات.
يضاف الى ذلك ان التجربة اعتمدت على ثنائية لغوية بين العامية البيضاء والعربية الفصحى. وهذا الاختيار ليس جميليا أو اعتباطيا، بل جزء من فلسفة العرض. فاللغة العامية البيضاء جاءت بوصفها لغة اليومي، لغة الإنسان العادي، لغة المعاش والهشاشة والتلقائية، بينما حضرت الفصحى بوصفها لغة التأمل، والتكثيف، والمسافة الفكرية، ولغة الخطاب الرسمي والمؤسساتي وأيضا لغة المفارقة حين تصطدم البلاغة بعبث الواقع، وكلاهما يؤكدان على معنى التفاهة ذاته.
هذا الاشتغال اللغوي أوجد توترا جماليا بين مستويين من الخطاب، خطاب قريب من واقع المتلقي، وخطاب آخر يرتفع نحو التجريد والرسمية. وكأن العرض يقول إن الإنسان المعاصر يعيش انقساما لغويا يشبه انقسامه الوجودي، بين اليومي البسيط، والأسئلة الداخلية الكبرى.
تقوم المسرحية على حكاية رجلين يقفان في صباح يوم بارد قارس، على مسافة بعيدة من مشروع جديد يتجه مسؤول رفيع في موكب من السيارات السوداء لافتتاحه، وقد سبقهما الطموح واللهاث إلى المكان أملا في استقباله وإقناعه بمنحهما إدارة المشروع الجديد وترقية طال انتظارها. غير أن لحظة الانتظار تكشف سريعا هشاشة الشخصيتين، فبدلا من خطاب الكفاءة، ينشغل الاثنان بصراع عبثي حول من يستحق الجلوس قرب السيد المسؤول في مقعد سيارته، ومن يكون ذراعه الأيمن، لتتكشف طبقات النفاق والانتهازية والاستعداد الكامل لتقديم التنازلات، حتى حد إعلان الخضوع التام لإرادته وتسليم المشروع تحت وصايته.
والمفارقة أن المسؤول نفسه لا يمنحهما حتى اعترافا إنسانيا بسيطا، فلا سيارة تتوقف ولا نافذة تفتح، ولا باب يشرع، ولا كلمة تقال. وكأن السلطة هنا حضور صامت يكتفي بصناعة التبعية دون حاجة إلى الكلام. وحين تبلغ التفاهة ذروتها، تتدخل الطبيعة بوصفها شاهدا غاضبا، فتمطر السماء مطرا أسود كالرصاص يختلط مع ماء المجاري الاسنة ويغمر الشارع والسيارة معا، في صورة رمزية كثيفة لانفجار التلوث الأخلاقي الذي صنعته الشخصيتان اللاهثتان خلف السيارة السوداء. لكن النهاية تأتي أكثر مرارة، فبدلا من الانهيار، ينجح الاثنان في تصريف هذا الخراب واحتواء الأزمة، لينتهيا بالاستيلاء على سيارة المسؤول نفسها، في خاتمة ساخرة تكشف كيف يمكن للانتهازية، لا الكفاءة، أن تجد طريقها إلى المناصب.
سينوغرافيا، قدمت المسرحية معالجة عملية لفضاء العرض، إذ يبدأ المسرح فارغا بالكامل، وكأننا أمام عالم درامي لم يخلق بعد. لكن هذا الفراغ لا يبقى خاويا، إذ يتحول تدريجيا بفعل المؤديين أنفسهم إلى فضاء حي، حيث يجري تأثيث العالم المسرحي أمام أعين المتفرجين، قطعة بعد أخرى، فعلا بعد فعل. فالفضاء لا يكون معطى جاهزا، بل يصبح جزءا من الحدث نفسه. المتفرج لا يرى المشهد فقط، بل يشهد ولادته. وهذا يتناغم مع فكرة العمل، فالعالم الذي نعيش فيه نشارك نحن أنفسنا في صناعته.
أما واحدة من أكثر الصور السينوغرافية ابتكارا، فهي السيارة السوداء الكبيرة التي صُنعت بحجم قريب من السيارة الحقيقية (2م ارتفاع في 4 متر عرض) بنيت على عجلات ومن المعدن الاسود الخفيف، ولكن بأسلوب مجرد شفاف ومفتوح. هذا الحل منح العرض صورة بصرية مألوفة دلاليا، ومن جهة أخرى لم يحجب فضاء المسرح أو يقيد حركة الممثلين، بل سمح لهم بالمرور عبره والتفاعل معه بوصفه علامة أكثر منه كتلة مادية صماء.
(صباح يوم ماطر بالتفاهات) ليست مجرد تجربة مسرحية ثنائية عابرة، بل مشروع فكري وجمالي لتوظيف طروحات (الان دونو) مسرحيا، وتحويلها إلى تجربة حسية حية يمكن ان يتكرر تجسيدها. إنها تطرح في زجه المتلقي سؤالا جوهريا: هل نعيش داخل نظام التفاهة، أم أننا نساهم في إنتاجه واستمراره دون أن نشعر؟
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك