السياسة أم الكتابة .. من سبق الآخر في الوجود ؟
قبل أن يخط البشر أول حرف على الطين، وقبل أن تُرسم حدود المدن الأولى، كان هناك سؤال واحد يتكرر كل ليلة حول النار: من يأخذ أكبر قطعة من اللحم؟ ولماذا؟ وما المقابل؟. هذا السؤال البسيط هو بذرة السياسة، بحسب ما تؤكده الأنثروبولوجيا السياسية التي ترى أن السياسة أقدم من الكتابة وأقدم من الدولة نفسها.
لقرون طويلة ربطت الكتب التقليدية نشأة السياسة بأثينا وروما، أي مع لحظة ميلاد الدولة والقانون المكتوب. لكن علماء الأنثروبولوجيا يشيرون إلى أن السياسة ليست اختراعاً يونانياً أو رومانياً، بل غريزة تفاوضية ولدت مع أول تجمع بشري. فمنذ اللحظة التي جلس فيها شخصان حول نار واحدة بدأ التفاوض على السلطة والطاعة والعقاب، وهي العناصر الثلاثة التي لم تتغير منذ آلاف السنين: من يحكم؟ ولماذا يُطاع؟ وماذا يحدث لمن يرفض الطاعة؟
الكتابة، في المقابل، جاءت متأخرة. ظهرت الحاجة إليها عندما كبرت المجموعات البشرية وتعقدت العلاقات، فصارت الذاكرة الشفهية غير كافية لتسجيل الديون والحدود والاتفاقات. أي أن الكتابة لم تخلق السياسة، بل كانت أداة اخترعها البشر لضبط السياسة وتدوين قواعدها. الدولة كتبت لتنظم ما كان موجوداً أصلاً من صراع وتفاوض وتحالف.
وهكذا يصبح الفارق واضحاً: السياسة غريزة نابعة من طبيعة الإنسان الاجتماعية وحاجته للعيش في جماعة، بينما الكتابة اختراع تقني لحل مشكلة تعقيد هذه الجماعة. الأولى سبقت الثانية بآلاف السنين، وستبقى بعدها، لأن التفاوض على السلطة لا يحتاج إلى حروف، لكنه يحتاج إلى بشر.
يبقى السؤال مفتوحاً: إذا كانت السياسة بهذا القدم، فهل نحن اليوم نديرها بأدوات أذكى، أم أننا لا نزال نتفاوض حول "قطعة اللحم" بنفس المنطق القديم، لكن بميكروفونات وبرلمانات بدلاً من النار؟
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك