من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

استعارة الحياة في ديوان "ذلك القادم الأخضر"

أحمد رجب شلتوت
استعارة الحياة في ديوان


    يشكّل ديوان «ذلك القادم الأخضر» للكاتبة العراقية الدكتورة أمل الأسدي تجربة شعرية تقوم على مركزية العاطفة بوصفها طاقة وجودية قادرة على إعادة تشكيل العالم. فمنذ العنوان نفسه تضعنا الشاعرة أمام رمز دالّ ومفتوح على التأويل: «القادم الأخضر» ليس شخصاً محدداً بقدر ما هو وعد بالخلاص، وحلم بالتجدد، واستعارة للحياة التي تقتحم أرضاً أصابها الجفاف الروحي. ويبدو اللون الأخضر في الديوان علامة متكررة تتجاوز بعدها اللوني لتغدو قريناً للحب والخصب والانبعاث والأمل.

   يقع الديوان في منطقة تتقاطع فيها القصيدة الوجدانية مع الرؤية الصوفية والرمز الطبيعي، حيث يتحول الحب إلى لغة كونية تستوعب الإنسان والطبيعة والذاكرة والروح. ومن خلال أكثر من مئة مقطع شعري قصير، تنسج الشاعرة عالماً يقوم على ثنائية الحضور والغياب، والانتظار واللقاء، والخصب والجفاف، واليقين والخذلان.

العنوان مفتاحاً تأويلياً

   ليس من المصادفة أن تختار الشاعرة عنوان «ذلك القادم الأخضر». فالقادم هنا مؤجل دائماً، بينما الأخضر هو اللون الذي يرتبط في الذهن العربي بالحياة والنماء والرجاء. ولذلك يبدو الحبيب في الديوان أقرب إلى فكرة منه إلى شخص؛ إنه الكائن الذي يمنح الأشياء معناها ويوقظ العناصر من سباتها.

تتكرر الأسئلة منذ القصائد الأولى:

"أين هو الآن؟

وصل؟

لماذا لم يتصل بي؟"

   فالانتظار هو البنية النفسية التي يقوم عليها الديوان بأكمله. الحبيب غائب غالباً، لكن غيابه يملأ النص أكثر من حضوره. إنه حاضر عبر أثره، وعبر الترقب المستمر لوصوله، وعندما تصل الشاعرة إلى 

     القصيدة التي تحمل عنوان الديوان، يصبح السؤال أكثر وضوحاً:  

، "أين القادم الأخضر؟"

    إنه سؤال وجودي بقدر ما هو سؤال عاطفي. فالقادم الأخضر هو كل ما ينقذ الذات من التصحر الروحي.

هيمنة خطاب الحب

   ينتمي الديوان إلى الشعر العاطفي، لكن الحب هنا ليس مجرد علاقة بين رجل وامرأة، ولكنه يصبح مركزا للكون. فالأشياء جميعها تُقاس بمقدار اقترابها من الحب أو ابتعادها عنه.

تقول الشاعرة:

"أنا أبجدية الماء والشجر"

    هكذا تعرف نفسها من خلال انتمائها إلى عناصر الطبيعة الأكثر اتصالاً بالنمو والحياة. وهكذا يتماهى الجسد مع الشجر، والعاطفة مع الماء، والحب مع دورة الوجود ذاتها، كما تذهب إلى حدّ جعل الحب ديناً خاصاً له طقوسه ومفرداته، تقول:

   "لكل ذنب توبة 

إلا حبك"

وفي موضع آخر:

"الحب دوماً منتصر"

   وهي رؤية تمنح الحب طابعاً مطلقاً يتجاوز التجربة الفردية إلى مرتبة الإيمان الجمالي.

الطبيعة معجماً شعرياً



   من أبرز سمات الديوان كثافة الحضور الطبيعي. فالشاعرة لا تكتفي باستخدام عناصر الطبيعة بوصفها زينة لغوية، وإنما تجعلها جزءاً من البنية الدلالية للنص، فيتكرر حضور النخلة، التمر، المطر، القمر، الفراشة، الورد، النهر، الشجر، السنابل، وتحمل هذه العناصر دلالات مرتبطة بالخصب والتجدد،

  فالنخلة مثلا تصبح صورة للأنوثة والكبرياء، "أنا النخلة السمراء"

وفي موضع آخر تتحول النخلة إلى معادل للحبيبة نفسها

"إنها حبيبتي

نخلتي المعتقة بآهاتي"

   وهنا تتجلى خصوصية المخيلة العراقية لدى الشاعرة؛ إذ تحضر النخلة بوصفها رمزاً حضارياً وثقافياً وليست مجرد مفردة طبيعية، أما الفراشة فتظهر مراراً بوصفها رمزاً للروح الهشة الباحثة عن الضوء، فيما يحضر القمر رفيقاً للسهر والعشاق،

  وتعتمد أمل الأسدي لغة شفافة قريبة من الإنشاد. فغالبية المقاطع قصيرة، وتقوم على الجملة الشعرية المكثفة أكثر من اعتمادها على البناء السردي أو الفلسفي، وتتميز هذه اللغة بعدة خصائص:

أولاً: كثافة الاستعارة:

"الشوارع مزروعة بالفراغ"

"الانتظار فم يفترس الأعمار"

"الصمت مشنقة لأحلامي"

ثانياً: شخصنة الأشياء

فالوقت يتكلم، والمرآة تتذكر، والشوارع تكتب، والعطر يحاور، والقمر يعاتب.

ثالثاً: الإيقاع الداخلي

   ورغم أن النصوص مكتوبة ضمن قصيدة النثر، فإنها تحتفظ بإيقاع واضح ناتج عن التكرار والنداء والاستفهام.

الحضور الصوفي

     وراء الخطاب العاطفي المباشر يمكن أن نلمح طبقة صوفية واضحة. فالحبيب كثيراً ما يتجاوز صفته البشرية ليصبح مطلقاً أو نوراً أو قبلة روحية، في إحدى القصائد تقول:

    "أنا امتلأت بك

فلم يبق مني إلاك"

    وهذه العبارة تقترب من مفهوم الفناء الصوفي حيث تذوب الذات في المحبوب، كذلك تتكرر مفردات مثل النور، المعراج، السجود، المحراب، الدعاء، الكعبة، وهذا يمنح التجربة العاطفية أبعاداً روحية تتجاوز الجسد إلى التجلي.

حضور المرأة المتكلمة

    يعتبر الديوان أيضاً إعلاناً لذات أنثوية واعية بحضورها. فالشاعرة تظهر باعتبارها كائناً يمتلك حق الاختيار والرفض والاحتجاج، مثلا في قصيدة "رحلة القرار" تقول:

"مادام القرار لي"

   ويتكرر هذا الإعلان عدة مرات داخل النص نفسه، في إشارة إلى رغبة الذات في استعادة زمام مصيرها، وتبلغ هذه النزعة ذروتها في قصيدة «إنهيدوانا تطلب اللجوء» التي تستدعي فيها شخصية إنهيدوانا، أقدم شاعرة معروفة في التاريخ، لتجعل منها صوتاً احتجاجياً ضد تهميش المرأة ومصادرة حقها في الجمال والحرية، وهنا يغادر الديوان فضاء الحب الشخصي ليدخل فضاء الوعي الثقافي والحضاري.

المرجعية العراقية

    وعلى الرغم من الطابع الإنساني العام للنصوص، فإن الهوية العراقية حاضرة بقوة، يتجلى ذلك في

النخيل، التمر، بابل، سومر، الأهوار، إنهيدوانا، فالشاعرة لا تكتب من فراغ جغرافي، بل تستند إلى ذاكرة حضارية عريقة تجعل الحب جزءاً من تاريخ المكان، فحين تقول:

"معجونة أنت بخمرة بابلية"

  فهي تستحضر طبقات كاملة من التاريخ العراقي داخل لحظة وجدانية معاصرة.

بين الوفرة والتكرار

    ومن أبرز سمات الديوان وفرة النصوص وكثافتها. وهذه الوفرة تمنح العمل ثراءً عاطفياً واضحاً، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن بعض الملاحظات الفنية، فعدد من المقاطع يدور حول الثيمة نفسها: الانتظار، الغياب، الشوق، الخذلان، الترقب، العودة. كما تتكرر بعض الصور مثل، القمر، الفراشة، النخلة، العطر، الصمت، الخريف. فتبدو بعض النصوص امتداداً لنبرة واحدة أكثر من كونها محطات متمايزة تماماً.

   كذلك فإن الانفعال العاطفي أحياناً يسبق التكثيف الشعري، فتغلب حرارة الشعور على الاقتصاد اللغوي. لكن هذه السمة نفسها قد تكون جزءاً من طبيعة الديوان الذي يراهن على التدفق الوجداني أكثر من رهانه على البناء التركيبي المعقد.

   وأخيرا يقدم «ذلك القادم الأخضر» تجربة شعرية مشبعة بالحس العاطفي والخيال الرمزي، حيث يتحول الحب إلى قوة كونية قادرة على مقاومة الخراب الداخلي وإعادة إنبات المعنى في أرض الروح. وتمتلك أمل الأسدي قدرة واضحة على إنتاج الصور الشعرية واستثمار عناصر الطبيعة العراقية في بناء عالمها الخاص، كما تنجح في منح التجربة الأنثوية صوتاً صريحاً ومعلناً لا يخشى البوح، إنه ديوان يحتفي بالحب بوصفه خلاصاً، وبالانتظار بوصفه امتحاناً للروح، لذلك يبدو "القادم الأخضر" رمزاً دائماً لكل ما ننتظره كي يعيد إلى أرواحنا خصوبتها المفقودة، ويجعل الحياة، رغم جفافها المتكرر، قابلة لأن تزهر من جديد.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9272
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.