عندما تتحول الأسرة من مصدر للأمان إلى سبب المعاناة
لم تكن الأسرة يومًا إلا المصدر الأول والرئيسي للأمان لأطفالها، بل والملاذ الذي لا يوجد شك في وجوده الدائم.
كان ذلك هو الطبيعي والسائد، وهو ما يتماشى مع الفطرة أيضًا، حيث عاطفتا الأبوة والأمومة اللتان أوجدهما الله في قلب كلٍّ من الأبوين بمجرد إنجاب أول طفل لهما.
ولكن ثمة تغير خطير طرأ على المجتمع في السنوات الأخيرة، فأصبحنا نسمع عن أمور لا يمكن أن تحدث في عالم الحيوان، بينما يصنعها من ينتمون إلى فصيلة البشر.
أمس فقط تم تداول خبرين أسوأ من بعضهما، يشيران إلى خلل كبير في فكرة تأهل كثيرين لإنجاب الأطفال، ومعرفة حجم تلك المسؤولية الضخمة التي لا يجب الإقدام عليها هكذا بلا تخطيط ويقين بأن هؤلاء الذين سيتم استدعاؤهم إلى الحياة لن يُهانوا فيها، وعلى الأقل سيتوفر لهم قدر معقول من الأمان والتربية الصحيحة التي لا تؤثر على سلامتهم النفسية، فيخرجوا مشوهين إلى مجتمع وجدوا أنه لم يرحمهم، وأن أول من أجرم بحقهم هم هؤلاء الذين كان يجب أن يكونوا مصدر أمانهم.
رأينا فيديو لطفل يبلغ من العمر 4 سنوات وشقيقته البالغة 6 سنوات، ويعلق عليه أحد الأشخاص بمناشدة المسؤولين التدخل لإنقاذ هذين الطفلين من الشارع الذي وجدا نفسيهما ملقيين فيه بلا ذنب أو جريرة، سوى أنهما وُلدا لأبوين في منتهى الخسة والأنانية، ذهب كل منهما ليتزوج بعد انفصالهما، وتركا طفليهما للمجهول ولتعاطف مؤقت من البعض حولهما.
وقد تحركت الأجهزة الأمنية على الفور، وعندما رفض الطرفان استلام أولادهما تم إيداعهما إحدى دور الرعاية بقرار من النيابة العامة.
وبعد ساعات فوجئ رواد مواقع التواصل الاجتماعي بفيديو متداول تظهر فيه امرأة أمام إحدى المقابر ومعها طفلها وطفلتها، وتقول لهما: هنا يرقد والدكما، وتجبرهما على ترديد عبارة: "الله يجحمك يا بابا"، في مشهد غاية في القسوة، حيث تعرض أم أطفالها لموقف كهذا بكل استهتار، لا لشيء إلا لأنها انفصلت عن والدهما وبينهما مشكلات، كما هو الحال في أغلب حالات الطلاق التي لا يدفع ثمنها سوى أطفال جاءوا إلى الحياة دون إرادتهم لزوجين لا يملكان أدنى قدر من الضمير أو الإنسانية.
وهنا لا يمكن تبرير الزج بالأطفال في صراعات تحركها الكراهية والكبر والرغبة لدى كل طرف في الانتقام من الآخر.
والمؤسف أن هذه الوقائع لم تعد حالات فردية نادرة كما كان الحال في السابق، بل أصبحت تتكرر بصورة تدعو إلى القلق. فبعض الآباء والأمهات يتعاملون مع الأبناء باعتبارهم وسيلة للضغط أو الانتقام أو عبئًا يمكن التخلص منه عند تعقد الظروف، متناسين أن الطفل ليس طرفًا في خلافاتهم، وأن السنوات الأولى من عمره هي التي تشكل شخصيته ونظرته إلى نفسه وإلى المجتمع من حوله. وما يتعرض له من إهمال أو إساءة قد يترك جروحًا نفسية تلازمه سنوات طويلة، وربما طوال حياته.
كل ذلك يدق ناقوس الخطر بشدة، ويجعل من الضروري للغاية تحرك الجهات المختصة لضبط هذا المشهد بأي إجراءات مهما كانت شدتها، للحفاظ على النشء وردع كل من تسول له نفسه فكرة الإنجاب دون أن يكون مؤهلًا لذلك من كافة الجوانب. فالإنجاب ليس شهوة يحصل عليها الشخص ثم يولي وجهه دون تحمل مسؤوليتها.
فالطفل لا يختار أبويه، ولا يملك قرار المجيء إلى هذه الحياة، ومن ثم لا ينبغي أن يتحول إلى ضحية لأخطاء غيره أو وسيلة لتصفية الحسابات بين الكبار. ومن أبسط حقوق أي طفل أن ينشأ في بيئة تمنحه الحب والأمان والاحترام، لا أن يقضي سنوات عمره الأولى وهو يدفع ثمن أنانية من كان يفترض أن يكونوا أكثر الناس رحمة به.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك