"عمى أبيض" لمروة سمير : حكاية بأربعة أصوات تستنطق الذاكرة وتعرّي المجتمع
أصدرت الكاتبة مروة سمير روايتها "عمى أبيض" عن دار دوِّن للنشر والتوزيع، في بنية سردية لافتة تروي حكاية واحدة عبر أربعة أصوات مختلفة، لتكتمل تدريجياً كلوحة فنية، بينما تستنطق الذاكرة وتقتفي الهامش لتقديم قراءة جريئة في المجتمع.
العمل يجمع بين متعة "التفكيك والتركيب" وجرأة "التعرية"، ليضع القارئ أمام سؤال مركزي: أي حياة نعيشها؟ تلك التي تطاردنا، أم تلك التي نريدها ولا ندركها.
حكاية بأربعة أصوات.. حقيقة مكسورة
تعتمد مروة سمير في "عمى أبيض" على تقنية السرد المتعدد Polyphonic Narrative. فالحكاية الواحدة يرويها أربعة أشخاص: "ليلى" و"سليم" و"سلمى" و"هشام". وكل راوٍ يضيف طبقة جديدة للوحة، ويكشف جانباً خفياً من الأحداث، حتى يدرك القارئ أن ما بدا حقيقة مطلقة في البداية قد يتحول إلى وهم أو سوء فهم.
هذه البنية تجعل من الرواية أقرب إلى لغز إنساني، حيث لا تمنحك النهاية الجاهزة، بل تمنحك شظايا الذاكرة والاعترافات لتركب الصورة الكاملة بنفسك.
استنطاق الذاكرة وتعرية المجتمع
تفتتح الرواية بحركة درامية سينمائية متوترة، كما رصد الناقد أكرم محمد. تبدأ بتأمل الشخصية العجوز "سوزى" مقابل طفلة، في ثنائية "جدة/حفيدة" و"عجوز/طفلة" تتهم كلتاهما بالانحراف. ومن الجملة الأولى ينتقل النص من التأمل الهادئ إلى حركة متوترة يدفعها راوٍ بضمير الأنا.
تمارس مروة سمير فعل "التعرية" عبر شحذ الذاكرة كأداة مركزية. فالنص يحتفي بالذاكرة كفعل مؤاخٍ للزمن، خاصة في أثر الماضي على الإنسان، ويقتفي "الهامش" على محورين: هامش العالم وهامش النص نفسه.
الشخصية المركزية "ليلى" تعلن هامشيتها: «أدركت منذ سنوات أنني البطلة الثانوية في الحياة»، لكن الرواية تحول هذا الهامش إلى قلب البنية الروائية، وتطرح مشاهد عابرة تتحول لمركز المتن لتشيد رؤية بين ثنائية "الخاص/العام" لمفهوم المجتمع.
الزمن والسلطة الأبوية ومفاجآت القدر
تدور الرواية حول ثلاثية الزمن والذاكرة والسلطة الأبوية. وتحضر الأمومة بهيئة شاعرية مغايرة؛ فالابنة قاتلة، فتصبح ثنائية "الأم/الابنة" هامشية تبدأ كمركز ثم تختفي وسط مفاهيم أوسع: النشأة والمجتمع والسلطة الأبوية ككل.
ويكشف النص صراع الأبطال مع أحلام النجومية، ومعاناة التنمر، ومشاعر الحب والذنب، ومفاجآت القدر التي تعيد تشكيل المسار. وتقدم الرواية مونولوجات سردية ذاتية، كما في اعتراف "هشام": «درست الطب مجبراً لأجله، لأجل أن يتباهى بابنه الطبيب مثله»، لتؤرخ للشخصية وعلاقتها بالسلطة الأبوية.
التشويق وسؤال: ماذا حدث؟
مع تعدد الأصوات تظهر تقنية التشويق المنبثقة من سؤال: "ماذا حدث؟" المطروح منذ البداية. ويتحقق التشويق بفعل الرؤى المتعددة للخط الحدثي الواحد، وباقتفاء الهامش في تصوره الفني كإعادة بناء لمفهوم الخيانة الكامن في خلفية كل الأصوات.
كما يحضر الفن في المتن كنقيض للسلطة الأبوية وفاعل في علاقة الإنسان بالنشأة، سواء بنصوص أدبية أو موسيقى كخلفية دلالية موازية.
الخلاصة:
"عمى أبيض" لمروة سمير عن دار دوِّن ليست رواية حدث كبير، بل رواية ذوات ورمز ومروية. تذكرنا أن كل منا يرى العالم من نافذته فقط، وأن الحقيقة الكاملة ربما لا يملكها راوٍ واحد. عمل يراهن على ذكاء القارئ ويجعله المحقق الخامس في القضية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك