من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ليست أمريكا وحدها.. 51 دولة زوّدت إسرائيل بالسلاح خلال الحرب على غزة

القاهرة : " نقاش "
ليست أمريكا وحدها.. 51 دولة زوّدت إسرائيل بالسلاح خلال الحرب على غزة


تحقيق استقصائي يكشف 2603 شحنة عسكرية بقيمة 885 مليون دولار — والبيانات من سجلاتهم أنفسهم


في واحدة من أضخم عمليات التوثيق المستندي التي تتعلق بالحرب على غزة، كشف تحقيق استقصائي معمّق نشرته قناة الجزيرة  النسخة الإنجليزية في الثالث والعشرين من مايو 2026، أن ما لا يقل عن 51 دولة ومنطقة ذات حكم ذاتي واصلت تزويد إسرائيل بالشحنات ذات الطابع العسكري، وذلك على مدار عامين كاملين بداية من أكتوبر 2023 حتى أكتوبر 2025 — أي حتى بعد أن حذّرت محكمة العدل الدولية من "خطر حقيقي للإبادة الجماعية" في غزة.

الأرقام من سجلات الجمارك الإسرائيلية 

ما يمنح هذا التحقيق ثقلاً استثنائياً هو مصدر بياناته: سجلات هيئة الضرائب الإسرائيلية (ITA)، إلى جانب سجلات جمركية وطلبات حرية المعلومات.

لم يستند الباحثون إلى روايات خصوم ولا إلى مصادر مجهولة، بل قرأوا الأرقام من الجانب الذي يُفترض أنه المستفيد.

وتكشف البيانات أن 2603 شحنة من البضائع ذات الصلة العسكرية — تشمل ذخائر وقطع غيار أسلحة ومكونات مركبات مدرعة — دخلت إسرائيل خلال تلك الفترة، بقيمة إجمالية بلغت 3.22 مليار شيكل (ما يعادل 885.6 مليون دولار). والأكثر دلالة أن 91% من هذه القيمة سُجّل بعد صدور قرار محكمة العدل الدولية في يناير 2024. 

وللمقارنة، في العشرين شهراً التي سبقت أكتوبر 2023، بلغت إجمالي واردات إسرائيل العسكرية 1.41 مليار شيكل (388 مليون دولار).

أي أن الحرب ضاعفت معدل الاستيراد العسكري بأكثر من الضعف.

من يقود قائمة الموردين؟

تصدّرت الولايات المتحدة القائمة بنسبة 42% من إجمالي قيمة الواردات، تلتها الهند بنسبة 26%، ثم رومانيا بـ8%، وتايوان بـ4%، وجمهورية تشيكيا بـ3%. 

غير أن الصادم في التحقيق ليس فقط الحجم، بل التناقض الصارخ بين المواقف المُعلنة والأرقام المسجّلة. فقد وثّق التحقيق حالات عدة تكشف هوّة واسعة بين الخطاب الدبلوماسي والحقيقة الجمركية:

إسبانيا: أعلن وزير خارجيتها في يناير 2024 أن بلاده لم تبع إسرائيل أي أسلحة منذ اندلاع الحرب، مؤكداً أن حظراً فعلياً بات سارياً.

 لكن بيانات الجمارك الإسرائيلية رصدت 99 شحنة بضائع عسكرية من إسبانيا بقيمة 21.6 مليون شيكل (5.9 مليون دولار) قبل صدور الحظر القانوني الملزم في أكتوبر 2025. وكانت أضخم شحنة منفردة، بقيمة مليون دولار، قد دخلت في ديسمبر 2023 تحت تصنيف الذخائر المتفجرة. 

كندا: سارت على النهج الإسباني ذاته، إذ أعلنت في يناير 2024 وقف صادراتها العسكرية ،بينما أشارت البيانات إلى استمرار الشحنات.

أوروبا: قيود  قانونية، أسلحة في الميدان

لم تكن أوروبا بمنأى عن هذه الصورة. رصد التحقيق أن إسرائيل استوردت بضائع ذات صلة عسكرية من ست دول أوروبية رغم وجود قيود معلنة على صادرات الأسلحة. 

وفيما يخص ألمانيا، كشفت وزارة الاقتصاد الألمانية أن برلين أجازت صادرات عسكرية لإسرائيل بقيمة 485 مليون يورو (554 مليون دولار) منذ أكتوبر 2023 حتى مايو 2025. 

أما فرنسا، فقد تراجعت قيمة شحناتها العسكرية إلى إسرائيل بمقدار النصف خلال عام 2024 مقارنة بعام 2023، وإن ظل حجم الطلبات الجديدة يبلغ 27.1 مليون يورو، وهو رقم أعلى من معدل العقد الماضي.

وأكدت باريس أن معظم هذه الطلبات تتعلق بمكوّنات مُعدّة للتكامل في منظومات تُعاد تصديرها إلى أطراف ثالثة.

الأسلحة لم تتوقف حتى مع وقف إطلاق النار

يشير التحقيق إلى ظاهرة لافتة: حتى بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، لم تتوقف تدفقات الأسلحة؛ إذ دخلت ما لا يقل عن 220 شحنة عسكرية إضافية إلى إسرائيل من 28 دولة خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر وديسمبر 2025. 

خبراء القانون: المسؤولية الدولية قائمة


حذّر ستيفن هامفريز، أستاذ القانون الدولي في كلية لندن للاقتصاد، من أنه "حتى قبل صدور قرار محكمة العدل الدولية، كان ثمة ما يكفي من الأدلة على أن الدول الموردة للسلاح لإسرائيل ربما تتحمل مسؤولية التواطؤ في جرائم دولية، تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية". 

في المقابل، كانت المحكمة الدولية قد أصدرت في يناير 2024 أمراً بإجراءات مؤقتة تُلزم إسرائيل باتخاذ كافة التدابير اللازمة لمنع أعمال الإبادة الجماعية في غزة، في وقت كانت فيه الضحايا الفلسطينيات والفلسطينيون قد تخطوا 26 ألف قتيل، معظمهم من النساء والأطفال.

قراءة في المشهد

ما يرسمه هذا التحقيق ليس مجرد خريطة للتجارة العسكرية، بل خريطة للمواقف المزدوجة. دول أطلقت تصريحات قوية في قاعات الأمم المتحدة وفي نشرات الأخبار، بينما كانت سجلات جماركها تحكي رواية مغايرة تماماً. والفارق هذه المرة أن الأدلة ليست مسرّبة ولا مجهولة المصدر — بل هي بيانات رسمية استُخرجت من داخل المنظومة ذاتها.


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9290
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.