من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الميزافونيا.. حين يتحوّل صوت الملعقة إلى عذاب لا يُحتمل

خالد بيومي
الميزافونيا.. حين يتحوّل صوت الملعقة إلى عذاب لا يُحتمل



في مشهد يومي مألوف، يجلس أفراد العائلة حول مائدة الطعام، يأكلون ويتبادلون أطراف الحديث في أجواء من الألفة. غير أن ثمة أشخاصًا بيننا يعيشون هذه اللحظة بالذات كابوسًا حقيقيًا؛ إذ يكفي صوت مضغ بسيط، أو رنين ملعقة فوق صحن، أو شرب رشفة من الشاي، لينقلب مزاجهم رأسًا على عقب، ويتحوّل الهدوء في أعماقهم إلى موجة من الغضب والنفور التي يعجزون عن السيطرة عليها.

هذه الحالة ليست مزاجًا عابرًا، ولا دلالة على قلة الأدب أو ضيق الأفق؛ بل هي اضطراب عصبي حقيقي يحمل اسمًا علميًا: الميزافونيا (Misophonia).

ماذا تعني الكلمة؟

الاسم يوناني الأصل، مُشتقّ من مقطعين: Miso بمعنى "كره"، وPhonia بمعنى "صوت"، فيكون المعنى الحرفي: "كره الأصوات". وهو وصفٌ دقيق لما يعانيه أصحاب هذه الحالة الذين يجدون في أصوات بعينها ،لا سيما تلك المرتبطة بالأكل والتنفس، مصدرًا للانزعاج الشديد يتجاوز حدود التحمّل الطبيعي.

ظاهرة أوسع مما نظن

على الرغم من أن كثيرين لم يسمعوا بالميزافونيا من قبل، فإن الأرقام العلمية تكشف أنها ظاهرة منتشرة على نطاق واسع.

كشفت دراسة أمريكية واسعة النطاق شملت أكثر من أربعة آلاف شخص بالغ أن نحو 78.5% من المشاركين يشعرون أحيانًا بالانزعاج من أصوات محددة، فيما أبلغ 4.6% منهم عن معاناة فعلية تبلغ حدّ الاضطراب الإكلينيكي. 

وفي مراجعة منهجية شاملة لأبحاث عالمية، تتراوح نسب انتشار الميزافونيا بين 5% و34.67% من السكان بحسب اختلاف الدراسات والمجتمعات المدروسة. (PubMed) أما على صعيد المملكة العربية السعودية تحديدًا، فقد وجدت دراسة أُجريت عام 2024 على عينة من طلاب جامعة الملك سعود أن 42.32% من المشاركين سبق لهم المعاناة من أعراض الميزافونيا بدرجات متفاوتة.

ما الذي يحدث في الدماغ؟

تكشف أحدث الأبحاث العلمية أن الميزافونيا ليست مجرد حساسية مزاجية، بل هي استجابة عصبية غير اعتيادية في الدماغ. يرى الباحث الدكتور سوكبيندر كومار من جامعة أيوا أن فرط نشاط "الخلايا العصبية المرآتية" قد يدفع الشخص إلى محاكاة الحركات المصاحبة للصوت المزعج، ما يُفسّر عمق الاستجابة الجسدية التي يُبديها المصابون. 

وترتبط الميزافونيا بمشاعر مركّبة من الغضب والقلق والاشمئزاز، فضلًا عن ارتباطها بحالات نفسية مصاحبة كاضطرابات المزاج والقلق والوسواس القهري. 

كيف تؤثر على حياة المصابين؟

تدفع الميزافونيا أصحابها أحيانًا إلى تجنّب الأماكن التي يُحتمل فيها الاحتكاك بالأصوات المُزعجة، أو إلى سدّ الأذنين والابتعاد عن مصدر الصوت أو طلب التوقف عنه بشكل قاطع. وقد تمتد تداعياتها لتطال العلاقات الاجتماعية وبيئة العمل والمسيرة الدراسية، وتُصبح سببًا في العزلة والانسحاب الاجتماعي. 

والمفارقة المؤلمة أن كثيرًا من المصابين يُدركون أن ردود أفعالهم غير متناسبة مع الموقف، غير أنهم يعجزون عن كبحها، مما يُولّد لديهم مشاعر الخجل والذنب والنفور من الذات، وقد يُفضي إلى اليقظة المفرطة والقلق المزمن والاكتئاب. 

هل من علاج؟

يعتمد العلاج حاليًا بشكل رئيس على العلاج المعرفي السلوكي المتخصص، مع وجود أدلة محدودة على فاعلية بعض الأدوية النفسية في تخفيف الأعراض. 

وعلى صعيد الأبحاث الجديدة، يستكشف العلماء تقنيات التحفيز العصبي كأداة علاجية واعدة، إلى جانب دراسة أثر السياق والإدراك في تشكيل ردود الفعل تجاه الأصوات المُثيرة.

غير أن ثمة تحدّيًا جوهريًا لا يزال قائمًا: فالميزافونيا لم تُدرَج بعدُ في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية ، ولا في التصنيف الدولي للأمراض ، على الرغم من ارتفاع معدلات انتشارها عالميًا. 

خاتمة

في عالمٍ تتصاعد فيه الضوضاء وتضيق مساحات الصمت، يبدو أن الميزافونيا تضع إصبعها على جرح حقيقي في النسيج الاجتماعي: جرح الصوت الذي يبدو عاديًا للجميع، ويبدو عذابًا لآخرين.

والخطوة الأولى نحو التعامل مع هذه الحالة هي الاعتراف بوجودها علميًا واجتماعيًا، بدلًا من اختزالها في مجرد "تذمّر مفرط".

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9298
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.