إدغار موران المفكر المقاوم للظلم
رحل عن عالمنا في 29 مايو/ أيار 2026م عن مئة وأربعة أعوام الفيلسوف وعالِم الاجتماع الفرنسي إدغار موران، وأقيمت له في فرنسا مراسم تكريم وداعية، وجاء هذا التكريم الوطني، كما قالت الرئاسة الفرنسية، "احتفاءً بحياة كاتب ومسيرة فيلسوف وعالم اجتماع ومقاوم من العصر الحاضر". ووصفته صحيفة ليبراسيون الفرنسية بأنه" الجدّ لجميع الفرنسيين، وذاكرةُ القرن الماضي".
وكان إدغار موران يُلقَّب بـ"المفكر الكوكبي؛ لأنه من خلال الفكر المركّب الذي تبناه لا يفصل بين قضايا الإنسان أو المجتمع أو التاريخ، بل يرى بأنها شبكة مترابطة: الفرد مرتبط بالمجتمع، والمجتمع مرتبط بالنوع الإنساني، والإنسانية مرتبطة بالأرض وبمصيرها المشترك.
ولد إدغار موران، واسمه الحقيقي دافيد سالومون ناهوم عام 1921 في باريس، من عائلة يهودية سفاردية من مدينة سالونيك العثمانية. هاجرت عائلته إلى باريس حيث وُلد إدغار، وقررت المحكمة الابتدائية الكبرى بباريس تغيير اسمه الشخصي دافيد سالومون ناهوم إلى إدغار. أما موران فاسم استعاره حين التحاقه عام 1940 بالمقاومة الفرنسية في مواجهة ألمانيا النازية.
وفي تاريخه النضالي قبل ذلك، أنه خلال الحرب الأهلية الإسبانية انضم عام 1936م إلى المنظمة الاشتراكية التحررية، وهي منظمة "التضامن الدولي المناهض للفاشية". ثم التحق بعد ذلك بحزب الجبهة، الحزب اليساري المناهض للفاشية.
عبّر موران عن مواقفه الصريحة، في مقاومة الظلم والاستعمار ورفضه الستالينية في مقالاته، التي نشرها في صحيفة "الوطني المقاوم"، التي إثرها طُرد من الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1951م.
وكان في عام 1955، من المثقفين الفرنسيين الذين أسسوا حركة معارضة لحرب الجزائر، وكان من بينهم الفيلسوف جان بول سارتر. كما دافع موران عن السياسي الجزائري مصالي الحاج، أبي الحركة الوطنية الجزائرية، الذي كان من أوائل السياسيين الجزائريين، الذين طالبوا باستقلال الجزائر عن الاستعمار الفرنسي منذ عشرينيات القرن الماضي.
ومع أن موران ظل محسوبًا على اليسار غير أنه كتب في عام 1993 مقالًا عن رفضه المفهوم الماركسي للمجتمع، ومختلف تصورات الاشتراكية: السوفياتية أو الاشتراكية الديمقراطية وغيرهما، ورأى أن "حضارة الأرض، وتحويل الكائن البشري إلى إنسانية، يصبح الهدف الأساسي والعالمي لأي سياسة تطمح ليس فقط إلى التقدم، بل إلى بقاء الإنسانية. ومن السخيف أن الاشتراكيين المصابين بقِصر النظر، يحاولون التحديث أو العصرنة أو التحول إلى الديمقراطية الاجتماعية، في حين أن العالم وأوروبا وفرنسا تواجه مشاكل هائلة تخص نهاية الأزمنة الحديثة."
وعُرف موران بمواقفه المؤيدة لحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة الخاصة بهم، كما انتقد بشدة في مقال نُشر عام 2002 معاملة إسرائيل للفلسطينيين، وبسبب المقال أُدين بتهمة معاداة السامية، وتعرض له متطرفون يهود بالشتائم مع إجراءات المحاكمة، ووصفوه بـ "اليهودي الكاره لذاته". وتضامن معه كثير من العلماء والمفكرين، حتى برأته محكمة النقض من التهم التي وُجهت إليه.
وفي موقفه من الصراع الفلسطيني– الصهيوني، واحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية، عبّر إدغار موران عن استنكاره أن يفرض يهود إسرائيل، وهم أحفاد ضحايا العزل القسري والاضطهاد الذي تمثل تاريخيًا في نظام "الغيتو"، نوعًا فريدًا من العزل والإقصاء على الفلسطينيين. وفي ذلك انقلاب أخلاقي وتاريخي، أن يتحوّل من كان ضحية للظلم والإذلال إلى ظالم ومعتد يمارس ما عاناه على شعب آخر. وهذا ما نفهمه من قول موران: إن "يهود إسرائيل، أحفاد ضحايا الفصل العنصري "أبارتهايد" اسمه الغيتو، يفرضون الغيتو على الفلسطينيين"
وربط موران تصاعد الإسلاموفوبيا وعودة معاداة السامية القديمة بسياسات إسرائيل العدائية، مع اعتقاده بأن تهمة معاداة السامية تُطلق كثيرًا دون سبب على منتقدي سياسة إسرائيل العنصرية.
والخلاصة إن إدغار موران، بعد أن لاحظ تراجع الفكر أمام تقدم المعرفة والعلوم في عصر التكنولوجيا، دعا إلى ضرورة أن يواجه الفكر الاستعباد والظلم والأكاذيب. وكان ذلك متناغمًا مع فكره المستقل، وثقافته الإنسانية الملتزمة بالسلام والقانون الدولي، والداعية إلى المحافظة على البيئة والتقارب بين الشعوب.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك