ورقة سورية في ملف لبنان.. ترامب يطرح الشرع شريكاً في مواجهة حزب الله وأطراف إقليمية تحذّر من تفجير الشام
كشفت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مقابلة مع شبكة "إن بي سي" أمس الأحد عن منحى جديد في إدارة واشنطن للملف اللبناني، إذ أعرب ترامب عن رغبته في أن تكون الهجمات الإسرائيلية على حزب الله أكثر دقةً وأكثر طابعاً جراحياً، مقترحاً توجيه توصية لسوريا للاضطلاع بدور في هذا السياق، مُشيداً في الوقت ذاته بالرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بوصفه قائداً أنجز عملاً رائعاً في فترة زمنية وجيزة.
غير أن هذا الطرح الأمريكي لا يُمثّل مستجداً على صعيد التداول الإقليمي، إذ تُشير مصادر مطلعة إلى أن عرض ترامب الاستعانة بدمشق لتوجيه ضربات أكثر دقة ضد حزب الله يعكس تفاهمات تشكلت تحت الطاولة، تُقحم الجغرافيا السورية عنصراً محورياً في الجبهة اللبنانية.
وكان هذا السيناريو مطروحاً بصورة جدية عقب سقوط نظام الأسد ومنح واشنطن دعمها اللامحدود للحكومة الانتقالية في دمشق لتثبيت أركانها في مرحلة استثنائية بالغة الهشاشة.
الشرع بين المطرقة الأمريكية والسندان الإقليمي
في مواجهة هذه الضغوط، يجد أحمد الشرع نفسه بين خيارات شحيحة؛ فمن جهة تتصاعد الضغوط الأمريكية - الإسرائيلية لتحويل الجغرافيا السورية إلى ورقة ضغط عسكرية ضد حزب الله، ومن جهة أخرى تتحرك أطراف إقليمية ، من بينها دول تضطلع بدور الراعي الإقليمي للحكومة الانتقالية - للتحذير من الانزلاق نحو هذا المسار، معتبرةً أن أي انخراط عسكري سوري في لبنان قد يكون فتيل تفجير الشام بأسره.
وقد حرص الشرع على صياغة موقفه بدقة دبلوماسية، إذ أعلن أن بلاده تبارك جهود ترامب لإيقاف الحرب الدائرة في لبنان، وتأمل في الانتقال إلى مرحلة إصلاح المسارات في المنطقة حتى لا تتكرر الحروب.
وهو خطاب يُلمح إلى التضامن مع الجهود الدبلوماسية دون أن ينزلق إلى التورط العسكري المباشر.
وتلتزم سوريا الحياد في المواجهة العسكرية الدائرة بين إسرائيل وحزب الله، وإن كانت دمشق اتهمت الحزب بتجنيد مجموعات مسلحة اكتُشفت على أراضيها، واقتصرت في موقفها السياسي على التضامن مع الحكومة اللبنانية والتأكيد على مبدأ السيادة الكاملة للدولة.
استراتيجية الخنق اللوجستي بديلاً عن الانخراط المباشر
في المقابل، تكشف معطيات الميدان أن دمشق تعاملت مع الملف اللبناني بأدوات غير إعلانية؛ فالحكومة السورية الجديدة اتخذت منذ الأشهر الأولى موقفاً يقوم على تفكيك البنية غير النظامية التي كانت تعمل عبر الحدود، وأعادت انتشار وحداتها العسكرية والأمنية بصورة مكثفة على طول الحدود اللبنانية - السورية، لا سيما في مناطق القصير والقلمون والريف الغربي لحمص، بهدف منع تهريب السلاح أو إعادة فتح خطوط الإمداد السابقة.
وبهذا المعنى تكون دمشق قد مارست دوراً ميدانياً فاعلاً في تقليص العمق الاستراتيجي لحزب الله، لكن بعيداً عن أي اندراج في مشروع حربي مشترك مع إسرائيل.
قناعة خليجية تتبلور: أمن الخليج مرتبط بأمن الشام
في سياق أشمل، ترسّخت لدى عدد من دول الخليج العربي قناعة مفادها أن الاستقرار الإقليمي متشابك العُرى بما يجري في الشام، وأن التصعيد المتواصل في المنطقة يُعظّم في المحصلة النفوذ الإسرائيلي على حساب الفاعلين العرب. وكان لافتاً أن القوات الإيرانية أطلقت في خضم الحرب الراهنة صواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت البنية التحتية في عدد من دول الخليج والأردن وتركيا، مما رسّخ الشعور الخليجي بأن الفوضى الإقليمية لا تقف عند حدود بعينها، وأن الأمن مشترك أو لا يكون.
سوريا إلى البناء لا إلى الحرب
يتبلور إجماع في أوساط المتابعين للشأن السوري على أن دمشق في مرحلة إعادة التأسيس لا في مرحلة خوض المعارك الخارجية. فسوريا التي تُعيد تشييد مؤسساتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية من الأنقاض تحتاج إلى خريطة طريق للمرحلة الانتقالية تضمن مشاركة جميع مكوناتها وصون حقوق كل السوريين، لا إلى تورط في نزاع يُعيد رسم خرائط المنطقة على حسابها.
وفي المشهد الأشمل، أكد ترامب في مقابلته أنه لا يطالب بأن يكون لبنان جزءاً من أي اتفاق قصير الأجل مع إيران، لكنه في الوقت ذاته شدد على دعمه للعمليات الإسرائيلية ضد حزب الله، في موقف يعكس استمرار الدعم الأمريكي للتحركات الإسرائيلية على الجبهة اللبنانية.
المشهد إذن مكتمل العناصر: ضغط أمريكي - إسرائيلي لجعل سوريا رأس حربة في لبنان، وحياد سوري محسوب يُبقي الجغرافيا بعيدة عن شعلة الحرب، وتحذيرات إقليمية خليجية تُرسّخ قناعة أن انفجار الشام لن تُصان منه أي جغرافيا مجاورة. في هذه المعادلة، يبقى الرهان الأكثر عقلانية على دمشق: أن تبني لا أن تشتعل.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك