كَسْرُ الخَاطِرِ
تَبَاعَدَ الزَّمَانُ حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ الَّتِي أَجْلِسُ فِيهَا إِلَى جَانِبِهَا.
صَحْرَاءُ قَاحِلَةٌ تَضُمُّ هَيَاكِلَ بَشَرِيَّةً، لَا زَادَ يُسَدِّدُ رَمَقَهُمْ، وَلَا مَاءَ يُرْوِي ظَمَأَهُمْ.
ذَهَبَ العِزُّ وَتَبَدَّدَ كَسَرَابٍ، وَانْقَطَعَ التَّيَّارُ، وَيَبِسَ الزَّرْعُ، وَنَفَقَتِ البَهَائِمُ.
تَحَدَّثْتُ إِلَيْهَا، فَأَدْرَكْتْنِي بِنَبْرَةِ صَوْتِي، لَقَدْ خَفَّ بَصَرُهَا وَصَارَتْ تَسْتَعِينُ بِالْعَصَا.
وَمَا زَالَتْ تَذْكُرُ ذَلِكَ اليَوْمَ الأَغْبَرَ فِي مَكْتَبِ النَّاظِرَةِ، حِينَ حَضَرَ أَبِي وَسَحَبَهَا عَنْوَةً فِي أَوَّلِ يَوْمٍ لِامْتِحَانِ الشَّهَادَةِ، فَتَبَدَّدَتْ دُمُوعُهَا وَتَوَسُّلُ المَعْلِّمِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَباً فِي طَلَاقِ أُمِّي.
- مَاذَا حَدَثَ بَعْدَهَا؟
- تَمَّ زَوَاجِي لِنَفَرٍ مِنَ الشُّرْطَةِ رَغْمَ فَارِقِ العُمْرِ.
- مَا مَوْقِفُ أُمِّكِ؟
- لَا شَيْءَ أَمَامَ الجَبَرُوتِ.
فَأَنْجَبْتُ البَنِينَ وَالبَنَاتِ، وَالآنَ مَعِي هَذَا الحَفِيدُ فَقَطْ.
إِنَّهُ طِفْلٌ فِي العَاشِرَةِ، قَضَتِ الحَرْبُ دُونَ دُخُولِهِ لِلْمَدْرَسَةِ.
لَقَدْ أَخَذَ المُتَمَرِّدُونَ زَوْجِي عَنْوَةً لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ مِنَ الشُّرْطَةِ.
ثُمَّ التَفَتَتْ قَائِلَةً:
- وَمَاذَا عَنْكِ يَا أُخْتِي؟
- أَكْمَلْتُ تَعْلِيمِي وَرَفَضْتُ جَمِيعَ مَنْ تَقَدَّمَ لِي.
- كَيْفَ وَافَقَتْ أُمُّكِ؟
- قُلْتُ لَهَا: تَكْفِينِي تَجْرِبَتُكِ.
وَضَحِكَتْ قَائِلَةً: مَا زِلْتِ صَامِدَةً.
وَتَبَقَّى سُؤَالٌ حَائِرٌ أَدْرَكْتُ إِجَابَتَهُ:
- وَبِالمُصَادَفَةِ، فِي تَعْلِيقٍ عَلَى صَفْحَتِي، وَرَدَتْ مُدَاخَلَةٌ سُرِرْتُ بِهَا، فَتَابَعْتُ صَفْحَتَهَا، وَكَانَتِ الخَلْفِيَّةُ صُورَتَكِ فِي المَدْرَسَةِ.
وَمِنْ ثُمَّ بِالْتَّحَرِّي وَالمُهَاتَفَةِ وَصَلْتُ إِلَيْكِ.
سَادَ صَمْتٌ بَدَّدْتُهُ:
- عَلَيْكِ جَمْعُ حَاجِيَاتِكِ لِتَعُودِي مَعِي، وَهَذَا الحَفِيدُ لِيَلْحَقَ بِالمَدْرَسَةِ.
- لَا مَانِعَ، فَقَطْ نَنْتَظِرُ كَسْرَ حِدَّةِ هَذَا الحَرِّ القَائِظِ.
الإسكندرية ٨ يونيو ٢٠٢٦م
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك