الشنب والتاريخ.. أحمد عرابي: أكبر شنب في تاريخ مصر الحديث
ثمة رموز لا تحتاج إلى كلام كثير، تقول كل شيء بصمتها، وتحمل في تفاصيلها ما لا تستوعبه الكتب، وفي الشرق كان الشنب دائمًا أحد هذه الرموز، علامةً ثقافيةً تجاوزت كونها شعرًا ينبت فوق الشفة، لتصبح وجهًا من وجوه الهوية الذكورية والكرامة الاجتماعية، يُقسم به، ويُستشهد به في لحظات الشرف والوعد.
وفي مصر تحديدًا، لا يكاد التاريخ الحديث يخلو من أصحاب الشوارب الكثيفة الذين تركوا بصماتهم على مساراته، غير أن شنبًا واحدًا يبقى الأكبر والأثقل دلالةً في الذاكرة الجمعية المصرية: شنب أحمد عرابي، الفلاح الأسمر من أرض الشرقية، الذي خرج من قريته هرية رزنة ليقلب موازين عصره، ويكتب بشنبه الغليظ أول فصول الكرامة الوطنية في التاريخ المصري الحديث.
من الأزهر إلى ساحة قصر عابدين
وُلد أحمد عرابي في الحادي والثلاثين من مارس عام 1841 في محافظة الشرقية، لأسرة متوسطة الحال، وتربّى يتيمًا بعد وفاة والده في سن الثامنة، فالتحق بالكتّاب وبجامع الأزهر، قبل أن يُجنَّد في الجيش عام 1854 وهو في الرابعة عشرة من عمره.
لكن الجيش الذي دخله عرابي لم يكن عدلًا في توزيع حظوظه؛ فقد طالب عرابي منذ البداية بضرورة مساواة الضباط والجنود المصريين مع زملائهم من الأتراك والشراكسة، وحين تجاوز مطالبه إلى التقدم أمام الخديوي توفيق، كانت مطالب الشعب المصري تتمثل في تغيير الحكومة، وإنشاء برلمان، وتعزيز الجيش المصري.
وكان يوم التاسع من سبتمبر 1882 محطةً فارقةً في تاريخ مصر، حين شهد ما بات يُعرف تاريخيًا بـ"وقفة عرابي" أمام الخديوي توفيق في ساحة قصر عابدين، تلك اللحظة التي تحتفي بها محافظة الشرقية وتتخذها عيدًا قوميًا.
كان المشهد لافتًا في جرأته ودلالته: فلاح مصري ابن ريف يقف أمام وريث العرش ويرفع صوته بما أخفته حناجر جيل بأكمله، حتى صارت عبارة "مصر للمصريين" شعارًا تناقله المصريون جيلًا بعد جيل.
معركة التل الكبير.. والخيانة التي لا يذكرها أحد
حين قرر الإنجليز إنهاء هذا التمرد المصري بالقوة، وجد عرابي نفسه في مواجهة عدو يُتقن فن الاستغلال أكثر مما يُتقن فن الحرب. أراد عرابي ردم قناة السويس ليُفوّت على الإنجليز دخول مصر عن طريقها، لكن المهندس الفرنسي ديلسيبس خدعه وادّعى أن القناة حيادية وأن إنجلترا لن تستخدمها لأغراض حربية، قبل أن يتواطأ مع الإنجليز ويسمح لهم بالدخول عبرها.
وفي الثالث عشر من سبتمبر 1882، في الساعة الواحدة والنصف صباحًا، فوجئت القوات المصرية في التل الكبير بمحافظة الإسماعيلية وهي نائمة، بعد أن أطلع بدو الصحراء الإنجليزَ على مواقع الجيش المصري، فيما تعاون بعض الضباط مع المحتل وكشفوا له عن الثغرات، وتزامن ذلك مع فرمان سلطاني عثماني بعصيان عرابي بتحريض بريطاني، مما جعل كثيرين ينقلبون عليه.
لم تكن هزيمة التل الكبير مجرد خسارة عسكرية، بل كانت انهيارًا مُركّبًا، صنعه الغدر من كل اتجاه في آنٍ واحد.
من الاتهام إلى النفي
بعد القبض على عرابي وزملائه قادة الثورة، صدر بحقهم حكم بالإعدام، قبل أن يُخفَّف لاحقًا إلى النفي المؤبد إلى جزيرة سيلان في المحيط الهندي.
وفي المنفى البعيد، بينما كان الرجل يقضي سنواته يحمل وحده وزر الهزيمة، وكان الإنجليز يُحكمون قبضتهم على مصر، وكان خصومه يكتبون التاريخ على مقاس المنتصر.
شيطنته الصحف، ولعنه رجال القصر، وصار الرجل الذي هتف له الناس بالأمس سببًا في كل مصيبة، وكأن مصر قبل عرابي كانت جنةً آمنةً لا فسادَ فيها ولا استبداد ولا نفوذ أجنبي.
العودة بصحبة المانجو والمذكرات
عاد عرابي من منفاه عام 1903، وأحضر معه شجرة المانجو إلى مصر لأول مرة، ثم توفي في القاهرة في الحادي والعشرين من سبتمبر 1911. وقد كتب مذكراته في ثلاثة دفاتر كبيرة، استعرض فيها جميع أحداث ثورته، ونُشرت لاحقًا تحت عنوان "كشف الستار عن سر الأسرار في النهضة المصرية المشهورة بالثورة العرابية".
لم يكن عرابي يعرف وهو يكتب تلك الدفاتر أن الأجيال القادمة ستفتح صفحاتها لتُعيد كتابة حكمه من جديد.
إعادة الاعتبار.. بعد فوات الأوان
حين سقطت الملكية عام 1952، وجاء ضباط يوليو يبحثون عن جذور الكرامة الوطنية في أوراق التاريخ، وجدوا أن الرجل الذي وُصف بالخائن لم يكن خائنًا، وأن من اتُّهم بإضاعة البلاد كان أول من رفع صوته مطالبًا بأن تعود مصر لأهلها.
فخرج عرابي من قفص الاتهام إلى ساحة التكريم، ومن خانة المذنبين إلى سجل الرموز الوطنية، وتغيرت الصور، وتبدلت الروايات، وأصبح ذلك الفلاح الأسمر صاحب الشنب الكثيف أحد وجوه الكرامة المصرية في الذاكرة الحديثة.
قدر الأشناب الكبيرة
ربما كان هذا قدر الرجال الذين يسبقون عصرهم، أن يحملوا اللعنات أولًا، ثم تأتي الأجيال اللاحقة لتضع فوق قبورهم أكاليل الورد.
في حياته دفع عرابي ثمن الهزيمة كلها، وبعد موته اقتسم الناس معه شرف المحاولة كلها. أما الشنب الغليظ الذي تحدّى الخديوي والضباط الأتراك والاستعمار الأجنبي، فقد ظل راسخًا في الذاكرة الجمعية المصرية، رمزًا لرجل اختار أن يكون أول المصريين في مواجهة الظلم، حتى حين كان ثمن ذلك أن يكون آخرهم في نيل الاعتراف.
وتلك، في نهاية المطاف، مفارقة التاريخ الأكثر قسوةً ووفاءً في آنٍ معًا.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك