من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

إعادة كتابة التاريخ انتصارًا لمظالم الحاضر ..قراءة نقدية في رواية "جريمة في بيت الرب"للكاتبة: شاهيناز الفقى

د/ محروس عامر
إعادة كتابة التاريخ انتصارًا لمظالم الحاضر ..قراءة نقدية في رواية




تأتي رواية "جريمة في بيت الرب" للكاتبة شاهيناز الفقي بوصفها عَمَلًا روائيًا يتجاوز أُطُرَ الرواية التاريخية التقليدية، إلى مساحةٍ فلسفية وسردية واسعة تُعيد مساءلة التاريخ، وتفكيك السرديات الرسمية، كاشفةً عن العلاقة الملتبسة بين الحقيقة والسلطة. فالرواية لا تتعامل مع حادثة مقتل رمسيس الثالث بوصفها واقعةً تاريخية مُنْجَزَةً أو منتهية، بل باعتبارها جُرْحًا إنسانيًا مُمْتَدًّا عبر الزمن، وجريمةً تتكرر بأشكال مختلفة في كل عصر.

تتحرك الرواية وفق آلية "الميتاسرد" عبر زَمَنَيْنِ متوازيين: زمن الحاضر، حيث يعيش الأبطال الحياة اليومية وسط مَظَاهِر الفساد والتشوه الاجتماعي، وزمن الماضي المتمثل في عصر رمسيس الثالث وبنتاؤور وما حَفَلَ به من مؤامرات وصراعات على السلطة. لكن الكاتبة لا تفصل بين هذين الزمنين فصلا هيكليًا، بل تجعلهما مِرْآتَيْنِ متقابلتين؛ فما يحدث في الماضي يَرْتَدّ صَدَاه في الحاضر، وكأن التاريخ لا يعيد نفسه فحسب، بل يُعِيد إنتاج أخطائه عبر تصوراتٍ عابرة للأكوان المتوازية، والسفر عبر الزمن، واستنساخ الأرواح، مما جَعَل الحاضر يتماهى مع الماضي ويكاد يكون صُورَةً طِبْقَ الأَصْلِ تتكرر فيها الشخوص والأحداث.

تيار الرواية التاريخية الحديثة

تنتمي رواية "جريمة في بيت الرب" بوضوح إلى تيار الرواية التاريخية الجديدة المنشغل بإعادة قراءة التاريخ وتفكيك السرديات الرسمية. ويظهر هذا الاتجاه جليًا في العديد من الأعمال المعاصرة؛ نذكر منها رواية (سعيدة) لشهيناز الفقي، وفي رواية (الحملة) لدكتور تامر عز الدين. كما يتقاطع مع ثلاثية (الحلواني، والقطائع، وكوم النور) لريم بسيوني، و(واحة الغروب) لبهاء طاهر، وصولًا إلى العمل الرائد (الزيني بركات) لجمال الغيطاني، وكذا (بين الكَفر و القصر) لسعيد جعيتم، و(بار ليالينا ومقامرة على شرف الليدي ميتسي ) لأحمد مرسي.

ويعكس هذا الميل الجماعي نَزْعَةً روائية تهدف إلى إعادة كتابة التاريخ وفقًا لسردية حداثية قِيَمِية، انطلاقًا من اليقين بأن التاريخ المدون في المراجع غالبًا ما يكون الرواية المُنْحَازَة التي كَتَبَها المنتصر أو صَاغَها مَنْ امْتَلَك أدوات السلطة والنفوذ.

العنوان: العتبة الأولى

يحمل عنوان الرواية "جريمة في بيت الرب" طاقةً دلالية مربكة ومثيرة للقلق الفكري منذ اللحظة الأولى لتلقي النص. فبينما تفتح كلمة "جريمة" أُفُقًا بوليسيًا وتشويقيًا يُحَفّز القارئ، تحمل عبارة "بيت الرب" المتلقي نحو فضاء ديني مقدس، مما يخلق حالةً من التوتر الذهني والتساؤل المشترك: أيُّ جريمة هذه؟ وأيُّ بيت للرب هو المقصود؟ وهل الإحالة هنا تتجه صوب مسجد، أم كنيسة، أم قصر فرعوني في تناص مع القرآن الكريم؟ أم أن العبارة الوطن أوالتاريخ نفسه؟ وهكذا يصنع العنوان صدمة فكرية تَدْفَع القارئ للدخول إلى دَهَالِيز النص وهو مُحَمَّلٌ بالأسئلة والمفاتيح الاستفهامية لَا بالإجابات.


البنية السردية وتشظي الأزمنة والخطوط الحكائية


اعتمدت الرواية على بنية سردية مركبة تَتَّسِم بالشبكية والدائرية، تقوم أساسًا على تشظي الأزمنة والخطوط الحكائية، بما يكسر النسق التقليدي للتتابع السردي الخطي، ويمنح النص طابعًا حداثيًا قائمًا على التداخل والتفريع وإعادة تركيب المعنى. فالْحكاية لا تسير في مَسَار واحد مُغْلَق، بل تتشعب إلى مسارات متوازية وقصص فرعية متعددة، يحمل كلٌّ منها شخصياته الخاصة، وأحداثه، وأسئلته الفكرية، دون أن تُغْلَق الخطوط الأولى إغلاقًا نهائيًا، الأمر الذي يفرض على القارئ حالةً دائمة من اليقظة الذهنية والوعي المستمر لِيَسْتَطِيع إعادة جَمْع شتات النص وربط طبقاته السردية المتعددة بعضها ببعض.

أما على المستوى الزمني، فقد وظفت الكاتبة التَّشَظِّي الزمني عبر تقنية الاسترجاع غير الخطي (Flashback)، بحيث ينتقل السرد بحرية وانسيابية بين الماضي والحاضر، ثم يعود إلى أحداث أقدم أو يقفز إلى لحظات لَاحِقَة دون الالتزام بترتيب زمني تَقْلِيدِي، وهو ما خَلَق حالةً من الذوبان والتمازج بين الأزمنة، حتى بدا التاريخ وكأنه حاضرٌ مستمر ومتجدد يُعِيد إنتاج نفسه دائمًا داخل الواقع المعاصر.

ويزداد هذا الثراء البنيوي تميزًا من خلال تنوع الأدوات السردية وتعددية الأصوات (Polyphony)، حيث يتأرجح النص بمرونة بين تَعَدُّد الرواة واختلاف زوايا النظر، وتوظيف المونولوج الداخلي لكشف الهواجس والاضطرابات النفسية العميقة للشخصيات، فضْلًا عن الحوارات الفكرية والفلسفية التي تتجاوز الحدث المباشر المَكْشُوف إلى مساءلة قضايا الوعي والحقيقة والوجود، وصولًا إلى الحوارات المُتَخَيَّلَة مع شخصيات إفتراضية أو غائبة، مما يُضْفِي على الرواية بُعْدًا تأمليًا وغرائبيًا كاشفًا في آن واحد.

وقد منح هذا التنوع السردي الرواية إيقاعًا ديناميًا متدفقًا، يجعل القارئ في حالة انتباه مُسْتَمِر، إذ إن أي غفلة قد تُفْقِده خيطًا حِكَائِيًا أو إشارةً رمزية ذات دلالة محورية لَاحِقَة.

تقنية اللايقين السردي للشخصيات

من أهم التقنيات الفكرية والجمالية التي ارتكزت عليها الرواية تقنية "اللايقين"، حيث حرصت الكاتبة على إبقاء القارئ مُعَلَّقًا بين احتمالات تأويلية متعددة دون مَنْحِه تفسيرًا حاسمًا أو أحاديًا للأحداث أو للشخصيات، مما وَفَّر للنص طابعًا إشكاليًا عَمِيقًا. ويتجلى هذا بوضوح في بناء شخصية البطل "سنوسي"، الذي يتبدى طوال الرواية كشخصيةٍ هُلامية مراوغة عَصِيَّة على التصنيف المباشر؛ فالنص يترك القارئ مترددًا بين عِدَّة فَرَضِيَّات متوازية: هل سنوسي مريض نفسي يعاني من الهلاوس والاضطرابات الذهنية؟ أم أنه شخص يمتلك قدرةً استثنائية على السفر عبر الزمن؟ أم هي روح مستنسخة تستعيد شذرات من حيواتها السابقة؟ أم هو مجرد مثقف مَهْوُوس بالتاريخ اختلط عليه الواقع بالخيال ويعيش دَاخِل أوهامه الخاصة؟ هذا التردد المَقْصُود لم يكن مجرد غموض فني عابر، بل أداة سردية مَكَّنَت الكاتبة من تمرير أفكار فلسفية وتاريخية شديدة الجرأة دون السقوط في فخ المباشرة أو التقريرية، كما جَعَلَت القارئ شريكًا صَانِعًا للمعنى لَا مجرد متلقٍّ سلبي للأحداث.

كما تبرز الطبيبة كتجلي آخر للشخصيات الجدلية المُرْبِكَة لليقين السردي؛ إذ تحضر باستمرار دون استدعاء وكأنها تستمع إلى البطل وتناقشه وتعارض رواياته أحيانًا، وكأنها تُمَارِس دَوْر المحقق النفسي الذي يحاول انتزاع الحقيقة من أَعْمَاق وعيه. غير أن الرواية لا تمنحنا يقينًا كَامِلًا حول هويتها؛ فربما كانت طبيبةً نفسية فِعْلًا تتولى علاج البطل وترافقه في فضاءات متعددة كالمركز الثقافي، وغرفة التحقيق، والزنزانة، وحتى دَاخِل بيته، مما يعزز فَرَضِيَّة أن الرواية بأكملها لَيْسَت سوى اعترافات مريض نفسي يَسْرُد أوهامه لطبيبته المعالِجة (كما في رواية لحظات لاغير للاديبة المغربية فاتحة مرشيد) . وفي المقابل، يمكن قراءة الشخصية بوصفها انعكاسًا نَفْسِيًّا أو امتدادًا متخيلًا لخيال البطل المضطرب؛ اخترعها كي يجد مَنْ يُصْغِي إليه ويمنحه وَهْم التصديق.

ويزيد من هذا الالتباس أن الطبيبة لم تُمْنَح اسمًا ، بل جاءت مجرد ملامح عابرة متمثلة في كونها قمحية، ذات شعر وعيون سوداء، ترتدي نظارةً طبية، وعلى وجهها نمش خفيف؛ وهي أوصاف تجعلها تبدو كأنها امتداد أو استنساخ متأخر لشخصية "نانيس"، خاصة بعد ما تَعَرَّضَت له الأخيرة من تشوهات مَرَضِية في نهاية حياتها، فكأن الرواية تُعِيد إنتاج الشخوص عبر الأزمنة بأقنعة مختلفة، مؤكدةً على فكرة دائرية الأرواح وعودتها في صور جديدة دَاخِل دورة زمنية لَا تنتهي.

ويأتي أول ظهور للطبيبة مُحَمَّلًا بكثافة رمزية وغموض نفسي شديد، حين تلقي بالقلم والورقة فوق المكتب، وتُطِلّ من النافذة على الفراغ الفسيح رافعةً رأسهَا نحو غراب يحوم في الأفق ينعق بصوت يثير الخوف، وتُحدث البطل من خلف نظارتها الطبية بسؤالها الحاد: "كيف وصل البهضاوي لعطية؟" إن هذا المشهد لا يقدم شخصية عادية، بل يفتح بَاب الشك الكلي؛ فالغراب، والفراغ، ونبرة السؤال، كلها عناصر تمنح الموقف طابعًا كابوسيًا أقرب إلى جلسات المحاكمة الضميرية الفلسفية.

وهنا تزرع الرواية أسئلتها الأكثر إرباكًا: مَن الذي يَسأل فِعْلًا؟ الطبيبة أم ضمير البطل؟ ومَن الذي يروي الحقيقة؟ وهل ما نقرأه وقائع تاريخية أم عَالَم صَنَعَه عقل مُثْقَل بالهزيمة؟ وهكذا تتحول تقنية اللايقين من مجرد غُمُوض سردي إلى رؤية فكرية شاملة ترى أن الحقيقة نفسها لَيْسَت يقينًا مُطْلَقًا، بل بِنَاء هش قابل لإعادة القراءة باستمرار.


فلسفة الظلم في الرواية


يُعَدُّ الظلم في رواية "جريمة في بيت الرب" المحرك الفلسفي والأيديولوجي الأعمق للأحداث؛ فمنذ الصفحات الأولى، يتضح أن هوس البطل بإعادة الاعتبار للأمير "بنتاؤور" لم يكن نابعًا فقط من اهتمام تاريخي أو شغف أثري مُجَرَّد، بل من جُرْح شخصي متراكم ورثه عَنْ أبيه وجده، حتى بدا وكأن ظلم "بنتاؤور" التاريخي هو المظلة الشاملة لكل المظلوميات التي عَصَفَت بأسرته. فالأب — مدرس التاريخ — لم يُعاقَب لأنه اقْتَرَف ذَنْبًا، بل لأنه حاول جَاهِدًا مساءلة الرواية الرسمية ، حيث تذكر الرواية: "عن والدي مدرس التاريخ الذي رأيته يموت مرتين: مرة حين استولى الباشا على قطعة أرض كان يملكها عن طريق الإرث من أجداده... ومرة أخرى حين قدم تقريرًا لوزارة التربية والتعليم يعرض فيه وجهة نظره أن التاريخ الذي يُدَرَّس في المدارس به مغالطات كثيرة." ثم تتبدى آلة السلطة القامعة للمختلف والمجدد حين قَام الوزير بمكافأته بإجازة مفتوحة مدعيًا في حيثياتها أن المذكور يعاني خَلَلًا في قواه العقلية.

أما الجد، فتتجسد مأساته الوجودية في سرقة حقه التاريخي وجهده العلمي، حيث "عاد لداره في الصعيد والمرارة تسكن قلبه حتى رحل". وتربط الرواية بين هذه المأساة الفردية وبين استيلاء هوارد كارتر على مجد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون وحيدًا وإغفال حقوق العمال المصرين.

ثم يغوص الظلم في عمق القهر الطبقي والاقتصادي عبر صُورَة الوالد الذي كان يصنع أدواته من الطين والفخار ويسير مسافات طَوِيلَة لِيَبِيعها بقروش قليلة بصعوبة تكفي قوت يومه؛ وهي الصُّورَة الأصدق للإنسان المَسْحُوق اقتصادياً الذي يَنْفَد عُمْره في صراع البقاء دون نَيْل حد أدنى من العدالة أو الكرامة.

وتصل فلسفة الظلم إلى ذروتها الكونية حين تُعَمِّم الرواية مأساة "بنتاؤور" لتشمل الوجود الإنساني برمته، إذ يقول النص: "لم يكن بنتاؤور الأول أو الأخير من المظلومين، هو مجرد واحد من الذين ظُلِموا عبر التاريخ، منهم مَن ظلمه ميزان العدالة، ومنهم مَن ظلمته لقمة العيش، ومنهم مَن تعرض للظلم حين طالب بحقه في الحياة." هنا يتحول "بنتاؤور" من شخصية تاريخية إلى رمز إنساني شامل، ويصبح التاريخ كله سجلاً طويلاً للضحايا المنسيين.

وتأتي الأم لتختزل هذه الرؤية الوجودية بعبارة عميقة الدلالة: "الظلم جزء من الحياة، لكننا نواصل العيش والصبر، علينا أن نواجه الظلم بشجاعة ونأمل أن يأتي يوم يتغير فيه الحال"؛ وهي عِبَارَة تعكس وعيًا مأساويًا نَاضِجًا يدرك نَقْص العدالة الكونية، ومع ذلك يحث على المقاومة الإيجابية طَمَعًا في الخلاص. وتلامس الرواية النَّزْعَة العدمية حين تَقُول بمرارة: "بلا شك، هذا العالم هو جحيم العوالم الأخرى."

ومن هنا يُصْبِح سعي البطل لتبرئة الأمير بنتاؤور بمثابة محاولة لاستعادة شَرَف الإنسان المظلوم عَبْر العصور، والانتصار للحقيقة قَبْل أن يبتلعها النسيان الكلي.


التناص والإشارات الإحالية للثقافة


من أبرز تقنيات النص قدرته العالية على تفعيل "التناص" (Intertextuality) واستدعاء الشفرات الكامنة في الوعي الجمعي للمتلقي. فعندما تُورِد الرواية عِبَارَة "قواعد اللعب الأربعين" يَقْفِز ذهن القارئ مُبَاشَرَةً لاستحضار رواية (قواعد العشق الأربعون) لجلال الدين الرومي بما فيها من بعد صوفي ومن معرفة واعية وكاملة بالقواعد. وعندما يَهْتِف النص بمرارة: "ثلاثون عامًا!" ُم يتابع "إذن الموضوع وراثة، عادة قديمة من أيام الفراعنة"؛ فإن الكاتبة تُحَقّق إسقاطًا سياسيًا واجتماعيًا ذكيًا يستدعي لَاشُعُورِيًّا فترة حكم مبارك في الوجدان المصري المعاصر.

كما برعت الكاتبة في توظيف الإشارات الإحالية الدينية والاجتماعية الذكية، كإشارتها الساخرة المبطنة: "يدخل البدين إلى الغرفة مصحوبًا برائحة سمك رغم أننا يوم سبت!!"؛ وهي إحالة ذكية ومُشَفَّرَة للخلفية العقائدية للشخصية وسلوكياتها. هذا النمط الاستدعائي يحول القارئ إالى المشارك الفعلي في صِيَاغَة الدلالة الروائية الكلية للنص.

التأصيل الثقافي وبناء الهوية القيمية للذات المصرية


تبرز الرواية الصُّورَة الذهنية للذات المصرية في مواجهة الآخر (الوافد). ويتجلى ذلك بوضوح في إصرار الرواية على نَفْي تهمة الخيانة وقتل الأب عن الأمير "بنتاؤور"، حيث لا يتبدى هذا النفي كدفاع مجرد عن شخصية تاريخية، بل كدفاع بنيوي عن صُورَة "الإنسان المصري" بوصفه نموذجًا أخلاقيًا لا يَقْتَل أباه ولا يَخُون وطنه، انطلاقًا من المرتكز النصي: "فليس من المنطق أن يقتل بنتاؤور والده. بنتاؤور مصري، والمعروف عن المصريين القدماء احترام مؤسسة الأسرة، وللأب مكانته الكبيرة داخل منظومة العائلة".

ويكشف هذا الطرح عن أبعاد قَوْمِيَّة وقِيَمِية راسخة لدى الكاتبة، حيث تَبْدُو "المصرية" مرادفًا جينيًا للوفاء والأصالة، بينما يَرْتَبِط التآمر والغدر بالعناصر الوافدة أو غير المنتمية وجدانيًا للأرض؛ فالْمغنية "نانيس" من شعوب الشرق تتنكر لمعروف الملك وتسعى للقصاص لوالدها من القصر، والملكة "تي" من شعوب الغرب، تتنكر لرعاية ولحب المالك ويتملكها الطمع في الملك فتسعى لتوريث ابنها العرش عن طريق قتل الملك واتهام ولي العرش بنتاؤور فيؤول العرش لإبنها، في مقابل شخصية "ميريت" التي تُمَثِّل النموذج الأنقَى والامتداد الأبهى للمرأة المصرية الأَصِيلة القادرة على الحب والتضحية ونصرة المظلوم ويحمل تناص مع الطهر والصفاء المرتب باسم السيدة مريم.

 كما يبرز الامتداد العابر للأزمنة حين تتماهى ميريت التاريخية مع شخصية "عطية" المعاصرة عبر التشابه المريب بينهما وعبر انتقال للقلادة الغامضة من رقبة الملك تي إلي صدر عطية، تاركةً النص مشرعًا على تساؤلات تناسخ الأرواح والميراث الوجداني الجيني الممتد.

أما عن ملامح الشخصية المصرية الحديثة فذكرته الكاتبة في حضور صُورَة الرئيس المعلقة على الحائط، وموسيقى عمار الشريعي المُنْسَابَة بنعومة، ورائحة الشاي بالنعناع الممتزجة ببقايا "الطعمية" على الطاولة؛ وهي تفاصيل أنثروبولوجية دقيقة تمنح النص هويته الوجدانية وتجعل من مفهوم "الوطنية" في الرواية ممارسةً حِسِّية واعية وذاكرة ملموسة قائمة على الأصوات والروائح والأطعمة.

ومن خلال شخصية السيدة "آمال" جارةِ رامي فواز، تُبرز الروايةُ ملامحَ الشخصية المصرية الجامعة؛ فرغم الإشارات إلى اختلاف ديانتها، كوجود الشمعدان داخل شقتها، فإنها تبدو مندمجةً بالكامل في الروح المصرية اليومية. فهي تجلس في شرفتها تراقب المارة، تحتسي الشاي، تعتني بالزرع، وتستمع إلى الطرب المصري الأصيل، وتمارس إعداد المخبوزات المنزلية بروحٍ دافئة، في نسقٍ حياتيٍّ لا يختلف عن قريناتها المصريات. كما لا يشير النص إلى أي تمييزٍ في تعامل الآخرين معها، وكأنها ممتزجةٌ تمامًا بالمجتمع، والمجتمع ممتزجٌ بها. وهكذا تطرح الرواية رؤيةً تؤكد أن الهوية المصرية لا تقوم على وحدة الدين، بل على القدرة على احتواء الاختلاف وصهره داخل وجدانٍ وطنيٍّ واحد.

ومن الإشراقات الذكية الكاشفة لطبيعة الوعي الجمعي توظيف الكاتبة لِلُعْبَة كرة القدم تارةً لتخفيف حدة التشنج السردي والكابوسية، وتارةً أخرى لتأكيد الهوية الشعبية. فتتحول هزيمة نادي الزمالك المتكررة إلى جُزْء من أدوات الفكاهة والتعارف، ويُشَار إلى أن "المجرم كان لابس تيشيرت نادي الزمالك"، بينما يَرْتَبِط الانتماء للنادي الأهلي بطاقة إيجابية واحتفالية تتمثل في محاولات تعليق العَلَم في الشرفة كإعلان استعراضي للانتماء والفخر؛ ورغم الطابع المَرِح والساخر لهذه المَشَاهِد، إلا أنها تُقَدِّم رصْدًا سوسيولوجيًا بارعًا لكيفية تحول الرياضة الشعبية إلى أداة لتعريف الذات والفرز الطبقي والثقافي دَاخِل المجتمع.


الرؤى الفلسفية وبنية الوعي في الرواية


تحوّل الكاتبة الرواية إلى فضاء فلسفي يطرح أسئلة الوجود والمعرفة والسلطة والموت. فالنص يعيد تأويل الوقائع عبر رؤية فكرية ترى الإنسان كائنًا مأزومًا يبحث عن المعنى وسط عالم مضطرب.

في مناقشة السعادة تقول الرواية بوعي نيتشوي حاد: "مقياس سعادة الإنسان مقياس زائف، لأن السعادة أمر نسبي... الهدف من الحياة ليس السعادة، هذا هدف فقير جدًا" وهي رؤية ترفض اختزال الوجود الإنساني في الرفاهية العابرة، وتؤكد أن المعنى الحقيقي للحياة لا يولد إلا من رحم المعاناة والمواجهة والتجاوز الفكري.

أما الموت، فلا يظهر بوصفه نهاية بيولوجية مغلقة، بل بوصفه عتبة عبور أو بداية جديدة لوعي آخر، كما في قولها: "أنا لست ميتًا" ، "لا تخف، هذه ليست النهاية، بل بداية جديدة" وهي أطروحات تميل بوضوح إلى التصور الميتافيزيقي المشترك بين الرؤية الفرعونية والصوفية؛ حيث تعتبر الروح طاقة خالدة لا تفنى، وإنما تعيد تشكيل حضورها عبر الأزمنة والصور المختلفة.

كما تثير الرواية جدلية العلاقة بين المعرفة النظرية والخبرة الحياتية، مؤكدة أن الوعي الأكاديمي وحده لا يكفي لفهم الواقع أو التعامل مع تعقيداته. ويتجلى ذلك حين يفشل البطل المثقف في التنكر، بينما ينجح صديقه البسيط بخبرته الفطرية ومرونته العملية. وحين يسأله البطل ساخرًا: "هل قرأت كتاب كيف تتنكر دون مجهود؟" يكتفي الآخر بابتسامة صامتة، وكأن الرواية تعلن انتصار الحكمة المُعاشة على المعرفة المجردة.

وفي مستوى أعمق، توظف الكاتبة الفضاء الروائي بوصفه انعكاسًا فلسفيًا لتحولات السلطة والبنية الطبقية؛ فالقصر الفرعوني الذي يُشبَّه بـ«كومباوند مغلق» لا يُقدَّم كمكان تاريخي فحسب، بل كرمز دائم لعزلة السلطة وانفصالها عن الإنسان العادي. وهكذا تتجاور النخب القديمة والحديثة داخل البنية الرمزية نفسها، وكأن التاريخ لا يغيّر جوهر الهيمنة، بل يعيد إنتاجها بأقنعة أكثر حداثة. وتأتي السخرية في العبارة: «لكن مؤكد أن هذا المكان يختلف كثيرًا عن كومباوند أبو صرمة» لتكسر جمود التاريخ، وتعيد ربطه بوعي القارئ وواقعه اليومي، فيتحول الماضي من أثر ساكن إلى نقد حي للحاضر.


الوعي اللغوي وصون الدلالة


تكشف الرواية عن عن وعي لغوي رفيع، لا يكتفي بجمال العبارة وسلاسة الأسلوب، بل يمتد إلى احترام الدلالة الدقيقة للألفاظ، والحرص على استخدام اللغة في صورتها العربية الصحيحة بعيدًا عن التشوهات التي فرضها الاستعمال الدارج المعاصر.

ويظهر هذا الوعي بوضوح في قولها:"هل تعلم يا عزيزي سمير أننا بعد أن استبدلنا الأواني والأطباق الصينية المزخرفة بالأواني الفخارية أصابنا الفقر والمرض." فقد استخدمت الكاتبة فعل «استبدل» استخدامًا عربيًا دقيقًا؛ إذ إن الباء تدخل على الشيء المتروك لا المأخوذ، ليكون المعنى الصحيح للجملة: تركنا الأواني الفخارية، وأخذنا الأواني الصينية المزخرفة. ورغم أن الاستعمال الشائع اليوم كثيرًا ما يقلب هذه الدلالة، فإن الكاتبة حافظت على الصياغة العربية السليمة بثقة ووعي.

ومن هنا لا تبدو اللغة في الرواية مجرد وعاء للحكاية، بل تتحول إلى محاولة هادئة لاستعادة نقاء المعنى وحماية الذائقة اللغوية من التآكل والانزياح الدلالي.

المآخذ النقدية ومصداقية العالم الروائي

رغم الشاعرية والعمق الفلسفي الباذخ اللذين اتسم بهما النص، إلا أن القراءة النقدية تكشف عن بعض الفجوات الفنية، ويمكن رصد وتصنيف هذه الملاحظات عبر المحاور التالية:

أولاً: المفارقة التاريخية: يقع النص في إشكالية معرفية وتاريخية واضحة في الصفحة 107 عند الإشارة إلى أن الجيش المصري تحت قيادة رمسيس الثاني انْتَصَر على الحَيْثِيِّينَ وأصبح خصمًا قويًا للرومان والإغريق؛ وهو سياق يمثل مفارقةً زمنية صارخة (Anachronism)؛ إذ إن الدولة الحيثية انهارا قُرَابَة عام 1200 ق.م وانتهى عصر الأُسْرَة العشرين في عام 1077 ق.م، في حين أن مدينة روما نفسها لم تتأسس وتظهر كقوة وكيان سياسي على مسرح الأحداث إلا في سنة 753 ق.م، مِمَّا يَعْنِي وجود فجوة زمنية شَاسِعَة تُخِلّ بمصداقية العالَم الروائي.

ثانياً: تباين الإيقاع: بدا الخط البوليسي والأمني خاصة في الفصول الأخيرة معزولاً وأقل انْدِمَاجًا مع النسيج الفلسفي والإنساني العميق للعمل، حيث مَالَت بعض المقاطع والمحاورالأمنية إلى لغة تقريرية ومباشرة جافة تقترب من الأسلوب الصحفي (كما تبدى بوضوح في الصفحة 221)، وكان بإلإمكان اختصار هذه المشاهد البوليسية دون أن تتأثر البنية الجوهرية أو تتردد الدلالات الفلسفية للعمل.

ثالثا: عدم الدقة في المعايير الدلالية للقياس: ورد في أحد المقاطع الوصفية: "وجدوا بعض حفريات لإنسان تخطى عمره الألف عام، وطوله يصل لعدة أقدام"؛ ومن الواضح أن السياق يهدف إلى تفخيم جُثْمَان هذا الإنسان والإشارة إلى ضخامته عابرة للمعدل البشري الطبيعي، غير أن التعبير اللغوي بـ "عدة أقدام" لا يؤدي هذه الدلالة الإعجازية ، فالإنسان الطبيعي يصل طوله لستة أقدام، وبالتالي فإن التعبير جاء قاصرًا ومضادًا للدلالة المَقْصُودَة، وكان الأجدر استخدام تعبير من قبيل "عدة ياردات" أو "عدة أمتار" لاستقامة المعنى المقصود.

الخلاصة :

لا تبدو رواية "جريمة في بيت الرب" مجرد رواية تاريخية أو بوليسية تتعقب قاتلًا في دهاليز الماضي، بل تبدو مشروعًا سرديًا يهدف بالأساس إلى إعادة مساءلة مفهوم التاريخ وعَرْضه على مشرحة النقد؛ ذلك التاريخ الذي دُوِّن في معظمه بريشة المنتصرين وأصحاب النفوذ، بينما طُمِسَتْ أصوات المظلومين والمبدعين الحقيقية في عتمة الهوامش والظلال بانتظار قَلَمٍ شجاع يَنْفُض عنها غبار القرون السالفة.

إن الرواية، في جوهرها الحقيقي، هي احتفاء باذخ وبليغ بالشخصية المصرية وقدرتها الخارقة على البقاء الطويل والمقاومة الصلبة رَغْمَ توالي الانكسارات، فالمصري في هذا النص هو حافِظُ الذاكرة، ووريث المأساة، وحامل جينات وعي متجذر؛ قد يُهْزَم سياسيًا، أو تُصَادَر أراضيه وحقوقه، أو يُزَيَّف تاريخ أجداده، لكنه يظل محتفظًا بيقينه المطلق بالعدالة وشغفه الأبدي بالحقيقة.

وقد وُفِّقَتِ الكاتبة بامتياز في تحويل فاجعة الأمير "بنتاؤور" المنسية من مجرد واقعة تاريخية جافة في مومياء معزولة إلى رمز كوني شامل وإسقاط إنساني عريض يمثل كل إنسان مَقْهُور ومظلوم عبر العصور؛ بدءًا من الأب الذي سُلِبَتْ أرضه، والجد الذي سُرِقَتْ مجهوداته العلمية، وصولًا إلى المواطن البسيط المَطْحُون تحت عجلات الفقر والسلطة والقهر الاجتماعي.

ولعل أبلغ الصرخات الفلسفية التي يطلقها هذا النص هي التأكيد الصارم على أن الظلم الإنساني لَا يَسْقُط أبدًا بالتقادم الزمني، وأن المظالم القديمة تظل حية ومتأججة دَاخِل ضمير الذاكرة الإنسانية، تنتظر دائمًا الذات الواعية التي تملك الإرادة لكشفها ومقاومتها؛ فالعدالة هنا لَيْسَتْ تَرَفًا فكريًا أو تنظيرًا فلسفيًا، بل هي شَرْطٌ أخلاقي أساسي لاستمرار البشرية وصون آدميتها.

وحين تُغْلَق الصفحة الأخيرة من الرواية، يكتشف القارئ أن السؤال المركزي لَمْ يَعُدْ: مَنْ قَتَل رمسيس الثالث؟ بل يتحول إلى السؤال الوجودي الأعمق والأخطر: كم من الحقائق الناصعة دُفِنَتْ حَيَّةً تحت وطأة الخوف؟ وكم من المظلومين قضوا نحبهم قهرًا قَبْلَ أن يَسْمَعَ العالم صرخاتهم المكتومة؟ وكم مرة سيحتاج الإنسان أن يُعِيدَ كتابة التاريخ من جديد لكي يَعْثُرَ في النهاية على الملامح الحقيقية لوجه العدالة الغائب؟

وهنا تنجح الروائية شهيناز الفقي بمهارة لافتة في أن تُحرِّرَ الرواية من حدود الحكاية التاريخية المشوقة، لتتحول إلى صرخة إنسانية نابضة ضد الظلم والقهر وتزييف الحقيقة عبر العصور. وتُذكِّرنا بأن الإنسان لا يحتاج فقط إلى الخبز كي يعيش، بل يحتاج أيضًا إلى الاعتراف بكرامته، وإلى أن يرى أثر عمله مقدَّرًا ومحاطًا بالمحبة والإنصاف قبل أن يرحل، وبأن الحقيقة والإنصاف قد يتأخران، لكنَّهما لا يموتان، وأن العدالة تظل الحلم الأجمل الذي يستحق أن يناضل الإنسان من أجله.

القاهرة في : 30/05/2026

#نقاش_دوت_نت 


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9336
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.