ثقافة مصر تعود
لطالما كانت الثقافة المصرية أحد أهم أسلحة الدولة الناعمة، بل إن مصر لسنوات طويلة لم تكن تقود المنطقة بالسلاح أو الاقتصاد فقط، وإنما بالفن والأدب والمسرح والسينما والفكر.
لكن خلال السنوات الأخيرة، تراجع حضور الثقافة بشكل ملحوظ، وبدأ كثيرون يشعرون بأن المشهد الثقافي فقد جزءًا من روحه وتأثيره، حتى جاء التغيير الأخير داخل وزارة الثقافة، ليعيد الحديث مجددًا عن استعادة الدور الغائب.
وفي فبراير 2026، تولت الدكتورة جيهان زكي مهام منصب وزيرة الثقافة، خلفًا للدكتور أحمد فؤاد هنو، ضمن التعديل الوزاري الذي شهدته الحكومة، لتبدأ مرحلة جديدة تحمل عنوانًا واضحًا: إعادة الثقافة إلى الشارع المصري.
وجاء اختيار جيهان زكي لافتًا للكثيرين، خاصة أنها ليست بعيدة عن العمل الثقافي أو الأكاديمي، فهي أستاذة الحضارة المصرية القديمة، وباحثة بجامعة السوربون الفرنسية، كما شغلت سابقًا منصب المستشار الثقافي المصري في إيطاليا، وتولت إدارة الأكاديمية المصرية للفنون بروما، فضلًا عن عضويتها السابقة بمجلس النواب، وهو ما منحها خبرة تجمع بين الثقافة والعمل العام والدبلوماسية.
وربما كان أكثر ما يميزها هو ارتباطها الواضح بفكرة الهوية المصرية، وحديثها الدائم عن الحضارة والتاريخ والقوة الناعمة، وهو ما ظهر منذ اللحظات الأولى لتوليها المنصب، حين أكدت أن الثقافة ليست رفاهية، وإنما ضرورة حقيقية لبناء الإنسان المصري وحماية وعيه.
وتُعد وزارة الثقافة من أكثر الوزارات تأثيرًا في تشكيل الوعي المجتمعي، إذ تتولى ملفات عديدة، تشمل المسرح والسينما والفنون التشكيلية والموسيقى والنشر والترجمة وقصور الثقافة والمكتبات وحماية التراث، إلى جانب اكتشاف المواهب ودعم المبدعين في مختلف المحافظات.
كما تضم الوزارة عشرات الهيئات والقطاعات الثقافية، التي من المفترض أن تعمل على وصول المنتج الثقافي إلى المواطن البسيط، لا أن يظل حبيس العاصمة أو النخبة فقط، وهي النقطة التي يبدو أن الوزيرة جيهان زكي تحاول التركيز عليها بصورة واضحة.
ومنذ توليها المسؤولية، بدأت الحديث عن ضرورة إعادة إحياء قصور الثقافة، باعتبارها المنارة الحقيقية لنشر الوعي داخل المحافظات والقرى، خاصة في ظل ما وصفته بوجود أجيال تحتاج إلى الحوار والتواصل الحقيقي، لا مجرد التلقي عبر شاشات الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي.
كما عقدت سلسلة اجتماعات مع قيادات الوزارة ورؤساء القطاعات المختلفة، لوضع ملامح خطة ثقافية جديدة، تقوم على جعل المواطن محور العملية الثقافية، والتعامل مع الثقافة باعتبارها جزءًا من الأمن القومي المصري، وليست مجرد حفلات أو فعاليات موسمية.
وخلال الشهور الأولى من تولي الدكتورة جيهان زكي المنصب، ظهرت عدة ملامح لخطة الوزارة، أبرزها العمل على تطوير قصور الثقافة، والانفتاح على الشباب والمواهب الجديدة، وتوسيع النشاط الثقافي بالمحافظات، إلى جانب تعزيز الحضور الثقافي المصري خارجيًا، عبر التعاون مع المؤسسات الدولية والمشاركة في الفعاليات الثقافية العالمية.
كما حرصت الوزيرة على التأكيد بأن مصر تمتلك رصيدًا حضاريًا وثقافيًا ضخمًا، يمكن استثماره بصورة أكبر، ليس فقط للحفاظ على الهوية، وإنما أيضًا لدعم صورة الدولة المصرية بالخارج.
ورغم أن الفترة التي تولت خلالها الدكتورة جيهان زكي الوزارة ما زالت قصيرة نسبيًا، فإن حالة الحراك داخل وزارة الثقافة باتت ملحوظة، خاصة مع عودة الحديث عن دور الثقافة في مواجهة التطرف والانغلاق الفكري، وإعادة بناء الذوق العام، وهي الملفات التي غابت طويلًا عن المشهد.
لكن التحدي الحقيقي أمام وزارة الثقافة لا يتعلق فقط بتنظيم الفعاليات أو إطلاق المبادرات، بل في قدرتها على إعادة المواطن نفسه إلى الثقافة، بعدما أصبحت القراءة بعيدة عن قطاع كبير من الشباب، وأصبح المحتوى السريع هو المسيطر على العقول والاهتمامات.
ومن المؤكد أن المهمة ليست سهلة، فاستعادة القوة الناعمة المصرية بشكل تام يحتاج إلى مشروع طويل الأمد، يبدأ من الطفل والمدرسة والمسرح والمكتبة، ولا ينتهي عند الفنان أو المثقف فقط، لكن امتلاك رؤية واضحة، وخبرة ثقافية ودولية، سوف يمنح الوزارة فرصة حقيقية لاستعادة جزء من الدور الذي فقدته الثقافة المصرية خلال السنوات الماضية، وهو الأمر الذي بدأ بالفعل.
ولهذا، فإن الحديث اليوم عن عودة ثقافة مصر، لم يعد مجرد أمنية، بل مشروع قائم بالفعل، مما يجعلنا نتوقع قريبا في ظل القيادة الواعية استعادة مصر لكامل مكانتها الثقافية التي صنعت وجدان أجيال كاملة داخل الوطن العربي وخارجه.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك