من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

المقبرة 55: حين يتكلم التراب ويشهد الضوء على سرّ أخناتون

دكتور حسين عبد البصير
المقبرة 55: حين يتكلم التراب ويشهد الضوء على سرّ أخناتون



في رواية المقبرة 55 للكاتب أحمد فضل شبلول، لا نكون إزاء عملٍ سرديٍّ يستعيد تاريخ مصر القديمة فحسب، بل أمام محاولة معرفية وجمالية لإعادة مساءلة التاريخ نفسه: كيف يُكتب؟ ومن يكتبه؟ وهل يمكن للزمن أن يُروى من خارج الإنسان؟ هنا تتجاوز الرواية حدودها بوصفها حكاية عن عصر أخناتون، لتصبح تأملًا واسعًا في معنى الوجود، وفي طبيعة السلطة الدينية، وفي جدلية الضوء والظلام التي حكمت واحدة من أكثر اللحظات إثارة في التاريخ المصري القديم.


ينطلق النص من لحظة تاريخية مشحونة بالتوتر: صراع أخناتون مع كهنة آمون، ومحاولته إرساء رؤية دينية جديدة تقوم على مركزية الإله الواحد المتجلي في قرص الشمس. غير أن الرواية لا تتعامل مع هذا الصراع بوصفه مواجهة سياسية أو دينية تقليدية، بل بوصفه أزمة وعي كبرى داخل الحضارة المصرية نفسها، حيث يتقاطع المقدس مع السلطة، ويتداخل الإيمان مع إدارة الدولة، وتصبح العقيدة جزءًا من بنية الحكم لا مجرد تجربة روحية.


لكن الأهم في هذا العمل ليس “ما يُروى”، بل “كيف يُروى”. فالرواية تنقلب على مركزية الإنسان بوصفه الراوي الوحيد للتاريخ، لتمنح هذا الدور لكائنين غير مألوفين: ذرة تراب وشعاع شمس. هذا الاختيار يفتح النص على أفق فلسفي عميق، إذ يصبح التاريخ نفسه منظورًا إليه من خارج التجربة البشرية المباشرة.


فالتراب في هذا السياق ليس مادة خامًا، بل ذاكرة كثيفة للحضارة، طبقات من الزمن تتراكم فوق بعضها، تحفظ آثار البشر، وتخفيها، وتعيد إنتاجها في شكل جديد كل مرة. إنه أرشيف صامت، لكنه ليس خاليًا من المعنى. أما الشعاع، فهو الحركة الدائمة، النور الذي لا يستقر، والشاهد الذي يمر على الأشياء دون أن يمتلكها، لكنه يمنحها إمكانية الظهور.


بين هذين القطبين—الثقل والخفة، الصمت والحركة—يتشكل النسيج السردي للرواية. وكأن الكاتب يقول إن التاريخ لا يُفهم من خلال الإنسان وحده، بل من خلال شبكة أوسع من العناصر التي تشاركه الوجود والشهادة.


وتتعمق الرواية في إعادة بناء عالم العمارنة بوصفه لحظة انفجار فكري وديني. فمدينة آخت آتون ليست مجرد عاصمة دينية جديدة، بل مشروع كوني لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والإله. غير أن هذا المشروع يصطدم بالبنية العميقة للمؤسسة الدينية التقليدية، ممثلة في كهنة آمون، الذين لم يكونوا مجرد رجال دين، بل قوة اجتماعية واقتصادية وسياسية متجذرة في جسد الدولة.


ومن هنا يصبح الصراع أعمق من كونه صراع أفكار؛ إنه صراع على تعريف الحقيقة نفسها: هل الحقيقة تُمنح من السماء عبر نور الشمس؟ أم تُصاغ داخل مؤسسات بشرية تمتلك أدوات التفسير والتأويل والسيطرة؟ هذه الإشكالية تجعل أخناتون في الرواية ليس مجرد ملك مصلح، بل رمزًا لسؤال دائم عن حدود المقدس وإمكان تغييره.


وتستدعي الرواية بذكاء البنية النصية للحضارة المصرية القديمة، من خلال إحالات إلى نصوص مثل كتاب الموتى و“متون الأهرام” و“متون التوابيت”، لكنها لا تقدمها بوصفها مواد تاريخية جامدة، بل بوصفها خطابًا حيًا عن الوجود والموت والخلود. فالمصري القديم لم يكن يرى الموت نهاية، بل انتقالًا، ولم يكن يرى القبر مكانًا للغياب، بل بوابة للعبور.


ومن هنا تكتسب المقبرة في الرواية دلالة مركزية. فـ“المقبرة 55” في وادي الملوك ليست مجرد موقع أثري، بل رمز مكثف لفكرة الذاكرة ذاتها. إنها المكان الذي يتقاطع فيه التاريخ مع الأسطورة، والحقيقة مع الاحتمال، والعلم مع التخيل. كل مقبرة في مصر القديمة هي نصٌّ حجريٌّ مفتوح، يُقرأ مرة ويُعاد تأويله ألف مرة، دون أن يُغلق معناه أبدًا.


وتنجح الرواية في تحويل التفاصيل الأثرية إلى عناصر سردية حية: أدوات الزينة، الطقوس اليومية، ملامح الحياة الخاصة، العلاقات الاجتماعية، وحتى نظرة المصري القديم إلى الجسد والروح. لكنها تفعل ذلك من خلال منظور غير بشري، ما يمنح هذه التفاصيل بعدًا جديدًا؛ فالعالم يُرى وكأنه يُكتشف للمرة الأولى، لا من داخل الإنسان، بل من خارج مركزه.


هذا الانزياح في زاوية الرؤية يؤدي إلى نتيجة فلسفية مهمة: الإنسان ليس سيد السرد، بل مجرد عنصر داخل منظومة أوسع. فالتاريخ، في هذا التصور، ليس ملكًا للبشر وحدهم، بل هو ملك للزمن ذاته، بكل ما يحمله من مادة وطاقة وتحولات.


ثم تأتي اللحظة الأكثر رمزية في النص، حين يتحول الحوار بين ذرة التراب وشعاع الشمس إلى علاقة حب كونية. هذه النهاية لا يمكن قراءتها بوصفها خاتمة رومانسية، بل بوصفها ذروة تأمل فلسفي في وحدة الوجود: التراب يحتاج إلى الضوء كي يُرى، والضوء يحتاج إلى التراب كي يظهر أثره. لا وجود لأحدهما دون الآخر.


وهكذا يصبح النص كله حركة نحو هذا الاتحاد الرمزي بين العناصر، وكأن الرواية تقول إن كل الصراعات—الدينية والسياسية والتاريخية—ليست إلا طبقات سطحية فوق حقيقة أعمق: أن الوجود نفسه قائم على التداخل لا الانفصال.


إن قوة "المقبرة 55" تكمن في أنها لا تقدم التاريخ كقصة منتهية، بل كحقل مفتوح للأسئلة. فهي لا تقول لنا ما حدث، بل تدفعنا للتفكير في كيفية حدوثه، وكيف يمكن فهمه، ومن يملك حق إعادة روايته.


وبهذا المعنى، فإن الرواية تتحول إلى عمل مزدوج: قراءة للماضي، وقراءة لطريقة قراءة الماضي في آن واحد. فهي تضع القارئ أمام مرآة مزدوجة، يرى فيها التاريخ وهو يتشكل، ويرى نفسه وهو يحاول فهم هذا التاريخ.


وفي النهاية، تبقى"المقبرة 55" نصًا يتجاوز حدود الرواية التاريخية إلى فضاء أوسع، حيث يتحول الزمن إلى مادة للتأمل، والمادة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى سؤال مفتوح لا إجابة نهائية له. إنها رواية تُعيد للتراب صوته، وللضوء لغته، وللتاريخ حقه في أن يُروى من جديد، كل مرة بطريقة مختلفة، وكل مرة بقدر جديد من الدهشة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9348
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.