من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

(قصيرٌ فستانُ صبري) ..قراءة فلسفية في ديوان ميادة مهنا سليمان

النّاقد الأردنيّ منير داود
(قصيرٌ فستانُ صبري)  ..قراءة فلسفية في ديوان ميادة مهنا سليمان




يقول الفيلسوف الألماني "نيتشه" إن الكتابة الحقيقية لا تصدر عن العقل وحده، بل عن الجرح الذي تعلم كيف يتكلم، وأنت يا ميادة قد فعلتِ ما هو أصعب من ذلك، فقد علمت جرحك ليس فقط أن يتكلم، بل أن يغنّي، وهذا النوع من الكتابة لا يُعلَّم في المدارس، ولا يستعار من الكتب، بل يولد مرة واحدة من داخل نار لا يعرف لهيبها إلا من وقف في قلبها، ولم يهرب.  


ثمة كتب تُقرأ، وثمة كتب تُعاش، وثمة في الندرة القصوى، كتب تُقيم في الروح، كما تقيم الروح في الجسد، لا تُستأجر، ولا تُستعار، بل تسكن، وتبقى، وديوان (ميادة مهنا سليمان)، (قصير فستان صبري)، من هذا الضرب الاستثنائي الذي يفد كاليتيم المتوّج، يحمل في أعقابه جنازةً، وعرسًا معًا، جنازة هي رحيل الزوج (رامز)، عن عالم المرئيات، وعرس هو احتفاء الروح بما لا يُرى، ولا يُمسُّ من حبٍّ ظلَّ بعدَ الفقد أكثر حضورا، مما كان في عز الوصال.  


تدخل ميادة من باب الفستان، وليس من باب المرثية، ولهذا الاختيار دلالة صاروخية تخترق مناطق الحداثة الشعرية، باتجاه جوهرها الإنساني الخام، لا تتشح بالسواد، ولا تلبس لباس الرثاء العتيق، بل تلبس فستانا قصيرا، وتضع من الروج شيئا على شفتيها، وتمضي لا لتسأل الموت عن شروطه، بل لتخبر المحبوب الغائب عن جسد لا يزال يحيا، وقلب لا يزال يخفق، وأنوثة لا تزال تنتظر ردّ الفعل من عيون صارت بلون الغيم، وهذه الجسارة الجمالية لا تعد تمردا على الحزن، بل هي أعمق أشكال الحزن، وأشدها فجاعة، لأن المراة التي تتزين للغائب إلى الأبد، تقول للعالم في صمت عصيّ على التصريح، إن الحب عندي أقوى من تعريف الحضور.  


هنا تلتقي ميادة مع كبار الفلاسفة الذين عالجوا سوال الوجود في غياب المحبوب، فأفلاطون في محاورة الوليمة آمنَ بأن الحب ليس نزوعا نحو شخص بعينه، بل نزوع نحو المثال الخالد الذي يتجسد في ذلك الشخص، فإذا ما غادر الشخص، بقي المثال يلقي بظلاله على الروح، ويطاردها في المرايا والأصوات، والعطور.


 وميادة بامتياز شاعرة أفلاطونية، لا تبكي زوجا فحسب، بل تجادل مثال الحب في أعلى مقاماته الوجودية، وتقول في إهدائها:


" إلى روحك النقية التي أحبها الله، فاصطفاها، لتبقى لي منك ذكريات، ووفاء، وحب لن يجف نبعه"

 ففي هذه الكلمات الأربع الأخيرة أشد الفلسفات رسوخا، وأصعبها هضما، لأنها لا تقول إن الحب يصارع الموت، بل إنه يتجاوزه من أساسه، كأن الموت لم يصوب نحو النبع أصلا. 


تبني ميادة عالمها الشعري على ثنائية فلسفية صارخة بين الحضور والغياب، وهذه الثنائية ليست تقابلا بلاغيا جاهزا، بل هي نسيج معقد تتشابك فيه خيوط الوجود والزمن والذاكرة والجسد ف(هيدغر)، في كينونته ووقته أكد أن الإنسان لا يفهم وجوده إلا في مواجهة الموت، وأن الكائن في طريقه إلى الموت، هو الكائن الذي يشرق وجوده بأجلى صورة، وميادة لا تنظر لهذا بل تعيشه في كل قصيدة من قصائدها، فهي تشرق وجودها من خلال مواجهة فقدانه، وتحاضر على الموت من خلال رفض الاستسلام لحدوده، فتقول في إحدى أكثر لحظات الديوان عمقا:  


ميتة أنا لكن على قيد الحياة  


وهذا التناقض الظاهري ليس جناسا شعريا، بل هو أصدق تعريف لحالة الفقد التي يصاب بها من يحب حبا يتجاوز حدود الجسد، إنها تسير، وتتنفس، وتكتب لكن جوهر الوجود المتمثل في الانعكاس على الآخر، والتحقق في عيونه قد صار لا يتحقق عبر الحضور المادي، بل عبر حضور آخر مواز، أكثر كثافة وأشد إلحاحا من حضور الأحياء.


والديوان في بنيته الثلاثية:

 الفستان الأول، والثاني، والثالث، ليس مجرد تقسيم طباعي، بل هو تطور درامي يمشي من البوح المرتجف إلى الرضا المتسامي، فالفستان الأول فيه الأنثى العاشقة تغازل، وتداعب، وتنتظر وترقص رقصة من لا يعرف أن الفراق ستكون له الكلمة الأخيرة.

 والفستان الثاني أكثر حزنا وأشد هدوءا، هدوء من بدا يفهم أن الغياب ليس عابرا، وأن الانتظار يحتاج صبرا من نوع مختلف تماما عن صبر أهل الأحياء. أما الفستان الثالث، فهو الذروة الفلسفية حيث تنضج ميادة، كما تنضج الجروح التي تتحول إلى ندوب، تزين لا تشوه، وتخبر لا تخفي، وهنا يتحول الفقد من سجن إلى منبر، ومن لحد إلى محراب.  

 أما على صعيد اللغة، فإن ميادة تمتلك ما يمتلكه القليلون، وهو الحس الطفلي بالكلمات الذي يجعلها تعامل اللغة ليس كأداة للتعبير، بل كطين حي تعجنه بأصابع الوجع، وتشكله على هيئة ما تشعره، لا على هيئة ما تريد قوله، وهذا هو الفرق بين الشاعر الصناع، والشاعر الأصيل، والفرق بين شعر يكتب، وشعر ينزل نزول الغيث من غير استئذان، وإنك لتجد هذا في قولها:  


يرنم صوتُه اسمي  

فينمو الزهر في قلبي  

يفوح عبير أحلامي  

وأطير أطير من وجدي  

فألامسُ الشمس والغيمات والسحبا  


فالزهر الذي ينبت لمجرد تصاعد الاسم من حنجرة محبوب إلى الأثير، هو استعارة تنبثق من بيولوجيا العاطفة، لا من معاجم البلاغة، ومن يعرف ما تصنعه الهرمونات التي يفرزها الجهاز العصبي حين يسمع الإنسان صوت من يحب، يدرك أن هذا الشعر ليس خيالا، بل هو حقيقة مرئية بعيون الروح قبل أن تصاغ بأقلام الشعر. 


وثمة ما يستوقف القارئ الفيلسوف في هذا الديوان، وهو الصلة الخفية بين الشعر، والحب كما تؤسسها ميادة، فهي لا تكتفي بأن تجعل الشعر تعبيرا عن الحب، بل تجعل الشعر هو الوسيلة الوحيدة التي ينجو بها الحب من الموت، وتقول في واحدة من أجمع لحظات الديوان، وأكثرها كثافة:


وما زالت الذاكرة مصابةً بحمَّى عشقكَ  

وما زالت الروح تتذكر أنها التقتكَ 

عندما كنت تعبر 

إلى الضفة الأخرى من الشعر  


والضفة الأخرى من الشعر، هذا التعبير العجيب الموجع الجميل، هو أكثر ما يميز هذا الديوان عن نظائره في أدب الفقد، فميادة لا تسمي الموت موتا، بل تراه ضفة أخرى من الشعر، كأن رامزا لم يمت، بل انتقل إلى مقام أعلى من مقامات الجمال، ومنه يشرف عليها، وتشرف عليه، وهذا التأويل الشعري الرفيع يقربها من روحانيي الإسلام، ولا سيما (ابن عربي)، الذي رأى أن الحب ليس انفعالا عاطفيا، بل هو التجلي الأسمى للوجود من خلال الآخر، وأن الغياب الجسدي، لا يسقط هذا التجلي، بل يكثفه ويخلصه من شوائب الحواس. 


وتزيد ميادة على كل هذا بعدا لا يكاد يوصف، وهو الشعور بأن الحب في غياب المحبوب، أقوى وأنقى مما كان في حضوره، لأنه تخلص من طفليات الغيرة والعتاب والانتظار، وصار خالصا مصفى كالذهب بعد البوتقة، وهذا ما أشار إليه المتصوفة حين قالوا إن الفراق يصفي الحب، ويجرده من دنس الطمع والتملك، فيحوله من ظاهرة أرضية إلى مشروع روحي أبدي. 


لا تكتب ميادة قصيدة رثاء بمعناها التقليدي المقعد، بل تكتب شهادة وجود أو بالأحرى حجة مضبوطة التوقيت، تقول فيها للغياب:

أنت لم تفلح، فأنا لم أنس، ولم أتوقف، ولم أطو قمصان العشق في خزانة الأيام، بل لا أزال أكويها وأعلقها وأنتظر من يرتديها، ولو كان طيفا معطرا بريح السماء.  


غير أن القلم الذي يحب حقا، لا يطري فقط بل يقوِّم، ومن يقدِّر حقا، لا يسكت على ما يراه من هفوات، بل يسميه باسمه الكامل، لا عقابا بل إيمانا بأن الموهبة الحقيقية، تستحق أن توجه بما يعليها لا بما يهدهدها إلى ما دون طاقتها.


فأشد ما يثقل كاهل هذا الديوان، هو ذلك التكرار الذي لا يراكم، بل يكرس، فالصور التي تتردد كالعصافير والقهوة والمطر والياسمين والقرنفل والفراشات، وهي صور جميلة في حد ذاتها، تتحول في موضع ما من الديوان إلى ما يشبه حوضا تشرب منه كل قصيدة، دون أن يتجدد ماؤه، والمتلقي الذكي يلاحظ أن الفراشة في الصفحة الثلاثين، هي نفسها في الصفحة السبعين، والعصفور الذي يحلق في مطلع الديوان، يحلق بالجناحين نفسهما في خاتمته، ولو أن الشاعرة أخضعت هذه الصور لتطور درامي، أي أن تبدأ العصافير بالغناء، ثم تصمت، ثم تتعلم لغة أخرى، لكان الديوان أكثر تصاعدا، ودرامية، فالتكرار الجميل يخدر، والتطور الجميل يصحّي.


ويلاحظ القارئ أيضا أن ثمة لحظات تتعثر فيها ميادة في فخ التقريرية، التي تسمي المشاعر بدل أن تبنيها، فحين تقول: 

أشتاق إليك، وأنتظرك، وأحبك بصيغتها المباشرة المكررة، تفقد القصيدة قدرا من توترها الداخلي، لأن اعظم ما في الشعر، هو حين تحس الاشتياق دون أن تقرأ كلمة أشتاق، وتدرك الحب دون أن تسمع كلمة أحببت، والشاعرة تنجح في هذا كثيرا، لكنها تخسره في محطات بعينها، وهذا ليس نقيصة في التجربة الإنسانية، بل في الاختيار الفني وحده . 


ويخلو الديوان تقريبا من ما أسميه الصوت الآخر، لا أعني الرد الحرفي من رامز، بل أعني ذلك الحضور الموضوعي الذي يخلص صورته من أن تبقى طيفا ناعما مضيئا في كل الأوقات، فالحب الحقيقي لا تزوره الذاكرة فحسب في الاتجاه المضيء، بل تعقده أيضا، وتمنحه ظلاله وتناقضاته وأحيانا إيذاءه اللطيف الذي لا يدركه إلا من عاش تحت سقف واحد سنوات طويلة، والذي يقدمه الديوان هو رامز القديس المكتمل، رجل المثال الأسطوري، والخسارة هنا ليست أخلاقية بل جمالية، لأن الشخصية الكاملة الأبعاد تحرك العواطف أعمق بكثير من الشخصية المقدسة، ف"ريلكه" في مراثيه الدوينية، لم يجعل المحبوب ملاكا، بل جعله شيئا مزعجا بديعا حاد الحضور حتى في موته.  


ويفتقر الديوان أيضا إلى لحظة الشك الكبرى، تلك اللحظة التي يسقط فيها اليقين، ويتسلل فيها السؤال الوحشي:

 هل يستحق الحب كل هذا الالم، وهل كان ما كان حقيقيا أم أن الذاكرة تزوره لتجعل الوجع مقبولا؟


 وميادة لا تمر بهذه الهاوية أو لا تصرح بالمرور منها، بل تبقى في مقام اليقين الثابت العاشقة المؤمنة الصابرة في كل الأوقات، والأدب الذي لا يشكك في نفسه لحظة واحدة، يظل محبوسا في دائرة الجمال الرياضي المغلق، أما الأدب الذي يسمح لصاحبه بالوقوع ثم النهوض، فيفتح أبوابا لا تقفل.


وفكرة الفساتين الثلاثة كتقسيم، هي فكرة خلاقة وجريئة، لكن الفارق الفعلي بين الفستان الأول والثاني والثالث، يبقى أقل حدة مما تعد به الفكرة، فكأن الفساتين الثلاثة، تتشابه في اللون والنسيج وإن تباينت في بعض التفاصيل، وكان بالإمكان أن يحمل كل فستان شخصية شعرية مستقلة تقريبا: الأول شعرية الرغبة، والثاني شعرية الحيرة، والثالث شعرية التسامي الصوفي، لو فعل ذلك لكان الديوان ثلاثة دواوين في واحد، لا ثلاثة أجزاء من ديوان واحد.  


ما ينقص هذا الديوان في مجمله هو ما أسميه الصوت المضاد، أي ذلك الصوت الداخلي الذي يجادل الشاعرة، ويناقشها ويزعزعها ويدفعها الى حافات لم تذهب إليها، بعد فأعظم الدواوين في تاريخ الادب الإنساني هي تلك التي تحمل في جوفها محاكمة ذاتية، لا عهدا مكتوبا بشروط الوفاء، وميادة تستطيع هذا لأن موهبتها وجوهرها الشعري يتجاوزان ما قدمته في هذا الديوان وهذا أصدق ما يقوله ناقد يحترم شاعرة أن يرى فيها أكثر مما قدمته.  


فالديوان كما هو جميل وصادق ومؤثر ويستحق القراءة بكل تاكيد، لكنه يشبه بستانا أجيد ريه، ولم يترك لوحشية الطبيعة لحظة واحدة، والبستان المروض تماما يعطيك ثمارا نظيفة، أما البستان الذي تسمح له بفوضاه أحيانا، فيعطيك غابة، والغابة أعمق.


فالديوان إذن ليس رثاء، بل هو عكس الرثاء تماما؛ هو إعلان استمرارية الحياة في مواجهة تحدي الفناء، وهو الدليل الشعري الأمضى على أن الروح التي أحبت حقا لا تطيع أوامر الموت، بل تبقي شعلتها مضاءة في أقسى الليالي ظلاما، وميادة بهذا الإنجاز قد نسجت فستانا من الحروف لن يبلى لأن خيوطه مفتلة من روح أبت إلا أن تحب، حتى الضفة الأخرى من الشعر، وما وراءها. 


وهذا أصدق ما يُكتب عن شاعرة تُحسن الكتابة من داخل الجرح، لا من خارجه.  

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9362
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.