سنلتقي فوق جبل النور
مازلت أبحث عنها في اللامكان منذ أن فقدتها في اللازمان،أحيانا أتفحصها في كل الوجوه التي تمر في دروب الحياة، وأحيانا أخرى أتفحصها في خيالاتي وأحلامي، أحيانا أسأل نفسي هل هي موجودة أم وهم ركبه خيالي؟ وإن كانت موجودة فأين هي؟ وكيف أجدها في هذه الأمواج المتلاطمة؟ وما الذي يشدني إلى البحث عنها؟ أهي فطرة أم مكر الجينوم يدفعني لأكون آلة تفريخ بشرية، أم حاجتي لرفيق يؤنسني في وحشتي واغترابي، أم رغبة في المعرفة مغروسة في جوهر الإنسان تحثه على البحث لثبر أغوار كل غامض.
كأنَّكِ مــوجُ ســـرابٍ بعيــدٍ***وفيهِ الجنونُ يُواسـي المُقَلْ
وأنِّي حبيسٌ بأعمـاقِ نفسي***ولَيْــلٍ بهيــمٍ سحيـقٍ جَلَــلْ
وهل هي واحدة بعينها أم كل امرأة موجودة في الوجود؟ ولكن لو كانت كل النساء، فهل لي بطاقة تجمعني بها؟ ولم لا؟ فلقد خلقها الله من ضلع آدم، وآدم مخلوق من طين، فطالما المادة موجودة فجمعها ممكن، ولكن الطين فيه كل عروق الأرض وألوانها، فيها الأسود والأبيض والأصفر والأحمر.... ربما تكون تلك البيضاء كعنقود الفل يكلل يتدلى من عنق الربيع، مشرقة كهالة فوق رأس الصباح، فيرف قلبي كفراشة تهوي على وجه القمر، وربما تكون السمراء كالليل الذي يموج بالأسرار، وتفوح منه تلك الزهور السوداء كطلاسم السحر الذي يُسكر غموضه العقول، فالسحر يرتدي عباءة الخفاء ويتوشح بالغموض، والمرء أسير لما يجهله، وأحيانا أبحث عنها في وجه الحمراء التي تثير الوهج الأرجواني بداخلي فتجذبني بعنف نحوها كما تفعل الراية الحمراء في قلب الثور الفتي، لا أدري إلى متى سيظل هذا البحث، فالألوان كثيرة ولا تنتهي، ولكل لون عبقه وتداخلاته وتفاصيله ودرجاته وتفاعلاته، ولكل لون طيف يراقص موجة من موجات النفس المتلاطمة، وعندما أتوه في خيوط هذه الألوان وظلالها يتسرب اليأس إلى قلبي فأشعر أنني أبحث عن المستحيل.
ولكن قلبي الشاعر بعد كل نوبة يأس يعود ليبث في روحي أنوار الأمل، فأعود وأبحث وأبحث وأبحث... سحقا فالألوان لا تنتهي ولا يمكن حصرها، إذن يجب أن أجمعهن جميعا، ولكن هذا أمر يستحيل، فلو تحقق نطريا، فلست أملك القدرة الزمنية والمادية، فالعمر قصير ولا يسمح لي بالتعرف على كل نساء العالمين حتى تتحقق معرفتي الحقيقية بحواء، على افتراض أن مجرد المعرفة هدفي، ولكن لماذا لا تكون واحدة تجتمع فيها كل النساء!
في أيام الصبا عندما كنت أقرأ في تاريخ الملوك أجد العجب العجاب، فمنهم من جمع العشرات بل المئات من الزوجات والجواري، ولم أكن أعلم حينها لماذا يجمع رجل كل هذا العدد من النساء؟ ولكني الآن أعتقد أنهم عطاش يريدون الارتواء من ماء البحر، وكلما شربوا ازدادوا ظمأً، لأن الإنسان لا يرتوي إلا بالجمال الكامل، وهذا يستحيل في الدنيا، فلا ينال الإنسان شيئا إلا ومله، لأن الناقص مملول كقولي:
فَمَنْ يعشقِ الأوهامَ مــاتَ بغيظِــهِ***لها كــــلَّ يــومٍ للتَّسَرِّي قلــوبُ
وهل صورةٌ مثلُ الحقيقــةِ رَوْعـةً***فألــوانُها عنــدَ اللِّقـــاءِ تــذوبُ
فلا البحرُ يَرْوي من أطالَ ورُودَهُ***ولا العَذْبُ يجدي والفؤادُ جَدُوبُ
وكقول جبران خليل جبران:
وما السعادة في الدنيا سوى شبح***يُرجى فإن صار جسما مله البشر
كالنهر يركض نحو السهل مكتدحـا***حتـى إذا جــاءه يبطـي ويعتــكــر
والحل الأمثل لطالب السعادة في الدنيا أن يبحث عنها في الجانب الآخر، نعم في الشق النوراني في الروح، ففيها امتداد من القبس الأول، وفيها كل جينات حواء، فإذا وجد الإنسان شقيقة الروح فليحلق معها في رحاب جنته الأرضية، فلا ملل من المؤانسة، ولا فتور من الملاطفة، فنظرتها ترضيه، وعَرفُها ينشيه، ولمستها تبريه، وعبرتُها تهديه، ففي صحبتها طوق النجاة في بحر الظلمات، سيجدها أما وأختا ورفيقة وحبيبة، ولكن قبل ذلك يجب أن يعود لطبيعته النورانية فيغلِّبها بطول المجاهدة والمثابرة؛ ويخلع رداءه الطيني المعتم، ويرتدي ثوبه الأثيري البديع؛ لكي يكون أهلا لها وجديرا بها، فإن صار كذلك وجد ما يرويه ويطربه ويسعده، فحواء من صناعة آدم، لأنها نبتت من ضلوعه، فإذا صلح المنبت أزهرت وتفتحت، وإن وجد منها ما يكره فليفتش عن الخلل بداخله هو وليس بداخلها.
إن كل نعيم في الدنيا ناقص، ولو كمل فمنقطع، والسعادة الحقيقية هي سعادة الروح لأنها لا تموت، فهي مخلوقة للخلود، ونعيمها في السير على المنهج السماوي، وهناك يتعارف الحبيبان على عرفات النور الواقع في لب الفؤاد، وعليه سيلقى آدم حواء من جديد.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك