هزيمةٌ بالتقسيط
كنتُ أظنُّ أنَّ الهزائمَ تأتي دفعةً واحدة …
لكن بعضُ الهزائمِ تُسدَّدُ على أقساطٍ طويلةٍ من العُمر .
كان هناكَ حب،وكانت هناك حرب،وفي النهايةِ انتصرتْ الحرب .
لكن الحربَ هنا لم تكن حربَ بنادقٍ و أسلحة.الحربُ هنا كانت الأيامُ نفسُها .
كنت أظنُّ أن الحبَ يكفي ، يكفي ليبني بيتاً ويجبرُ الخواطرَ المكسورة ، ويُطفئُ الحرائقَ التي تشتعلُ كلَّ يوم .
كنتُ أظنُ أن من يحبّْ،هو من ينتصر .
لكنني لم أكنْ أعرفُ أن الحبَّ سيُطلبُ منه يوماً أن يحارب .
في البدايةِ كانت مجردَ معركةِ صغيرة .
كلمةً جارحةً وتُنسى ، موقفاً مؤلماً ويمضي، ليلةً ثقيلةً ونقول ؛عدّي يا ليلة..!
ثم اكتشفتُ أن الحربَ لا تأتي دفعةً واحدة،بل تتسللُ إلينا في هيئةِ أيام .
كلُّ يوم كان يأخذُ شيئاً …مرةً من الأمل،ومرةً من الثقة،ومرةً من القدرةِ على الاحتمال .
حتى صار الحبُ واقفاً في ساحة المعركة وحدَه.يحاولُ أن يُدافعَ عن كلِّ ما تهدّم .
كنتُ أظنُّ أنني أحاربُ لأحافظَ عليه، ثم اكتشفتُ متأخرةً،أنني لم أعُدْ أحاربُ من أجلِ الحب .
كنتُ أحاربُ فقط كي لا أسقُط .
وحين انتهتِ الحرب،لم يكن هناك منتصرون.
لكن الحبَّ كان أكثرَ الخاسرين .
فالحروبُ لا تهزِمُنا دائماً بالضربةِ القاضية..أحياناً تهزِمُنا بالتقسيط .
كنتُ أظنُّ أن وجودَ شخصٍ نحبُّه،أو حلمٍ نتمسُّك به،أو بيتٍ نحاولً الحفاظَ عليه،يكفي ليجعلَنا نعبرَ كل شيء .
كنتُ أسمعُ كثيراً أن الحبَّ ينتصرُ في النهايةِ فصدّقت.ربما لأنني لم أكن قد خضتُ حرباً حقيقيةً من قبل .
ولم تكن الحربُ التي عرفتُها دباباتٍ ولا رصاصاً،بل كانت شيئاً أكثرَ هدوءاً وأكثرَ قسوة .
كانت أياماً طويلةً من التعب،ومواقفاً متتاليةً من الخذلان، ومحاولاتٍ لا تنتهي لترميمِ ما ينكسرُ كلَّ يوم .
في البدايةِ لم أشعرْ أنني في حرب.
كنتُ أتعاملُ مع كلِّ أزمةٍ على أنها سحابةٌ وستمضي،وكلِّ جرحٍ على أنهُ وقتُ وسيُشفى،وكل خسارةٍ على أنها استثناءٌ لن يتكرر .
لكن الاستثناءاتُ تكررت..!!
ومع الوقت،اكتشفتُ أن ما أعيشُه ليسَ مجموعةَ مواقفٍ متفرقة،بل معركةً طويلةً لم تخترْني فيها الحياةُ جندياً بإرادتي .
كان الحبُ يقفُ في الجهةِ المقابلةِ للحرب .
أحاولُ أن أحافظَ على ما أُحِب،بينما تحاولُ الحياةُ أن تنتزِعَ مني شيئاً جديداً في كلِّ مرّة .
أحب الأمانَ فتأخذُه الظروف .
أحب الطمأنينةَ فتبُعثِرُها الأيام .
أحب الأحلامَ فتأتي الخسائرُ لتعيد ترتيبَها على طريقتِها الخاصة .
وظللتُ سنواتٍ أظنُّ أنني أحاربُ من أجلِ الحب،حتى اكتشفتُ أنني لم أعُدْ أُحاربُ لأربحَ شيئاً .
كنتُ أحارب فقط لأمنع نفسي من الانهيار .
كنت أحاربُ كي أتجاوزُ اليومُ إلى الذي يليه،وكي أردّدُ كل ليلة : عدّي يا ليلة .
وعندما نظرتُ خلفي بعد كل تلك السنوات،أدركتُ أن الحربَ لم تنتصرَ لأنها كانتْ أقوى من الحب،
بل لأنها كانت أطولَ نفساً .
كانت تأتي كل يومٍ بِلا مَلل ، بِلا هدنة ، بِلا رحمة .
أما الحبُّ فقد ظلّ يقاتلُ وحيداً حتى أرهقهُ القتال .
في وقتٍ من الأوقاتِ لم يمُت الحبُ،
لكنه لم يعدْ كما كان.كان هشّاً ضعيفاً أنهكتْه الحرب،إلى أن فقد القدرةَ على الاستمرار فيها،ولم ينسحبْ بأقلِّ الخسائر، لكنه خسرَ المعركةَ خسارةً فادحةً وانهزمَ هزيمةً ساحقةً،لم تأتِ دفعةً واحدةً،لكنها كانت بالتقسيط .
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك