الأمل.. فعل إرادي يستلزم المعرفة والشجاعة والتصميم
كتاب الأمل: دليل النجاة في الأوقات الصعبة
تأليف: جين جودال ودوجلاس أبرامز، بمشاركة جيل هدسون
في زمنٍ تتراكم فيه الأزمات وتتشابك المخاوف، يصدر عن عالمة الأحياء الشهيرة جين جودال ومؤلفها المشارك دوجلاس أبرامز، بمشاركة جيل هدسون، كتابٌ يحمل عنواناً يختصر رسالته في كلمة واحدة: "الأمل". الكتاب الذي يحمل العنوان الكامل "The Book of Hope: A Survival Guide for Trying Times" لا يُقدِّم نفسه نصيحةً سطحية ولا تفاؤلاً رخيصاً، بل يطرح فلسفةً عميقة في مواجهة اليأس المنهجي الذي بات سمةً طاغية على عصرنا الراهن.
جين جودال: من الغابة إلى الصفحة
لا يمكن فصل هذا الكتاب عن صاحبته؛ إذ أمضت جين جودال ستة عقود من حياتها تراقب الشمبانزي في غابات غومبي التنزانية، وكانت الباحثةَ الأولى التي أثبتت أن الإنسان ليس الكائن الوحيد الذي يصنع الأدوات ويستخدمها. هذا العمر المديد في رحاب الطبيعة مَنَحَها منظوراً استثنائياً لا يُقلِّل من حجم الكوارث التي تواجه كوكبنا، لكنه يرفض في الوقت ذاته الاستسلام لليأس.
جودال التي تجاوزت التسعين عاماً لا تزال تُلقي المحاضرات وتجوب العالم، وهي تُؤكد أن الأمل عندها ليس شعوراً يأتي وحده، بل هو فعلٌ إرادي يستلزم المعرفة والشجاعة والتصميم.
بنية الكتاب: حوارٌ بدلاً من محاضرة
اختار دوجلاس أبرامز، المؤلف الذي سبق له التعاون مع الدالاي لاما في "كتاب الفرح"، أن يُقدِّم هذا العمل على شكل حوار مفتوح مع جودال؛ أسئلةٌ جريئة تستدرج إجابات عميقة، وهو اختيارٌ موفَّق يُضفي على النص حيويةً وتوتراً فكرياً بدلاً من الرتابة التعليمية.
يتتبع الكتاب أربعة محاور رئيسية تُعرِّفها جودال بوصفها الأسباب الجوهرية للأمل:
أولاً: الذكاء البشري الاستثنائي
تُقرِّر جودال أن الدماغ البشري قادرٌ على حل المشكلات التي صنعها هو نفسه، وأن تاريخ البشرية حافلٌ بلحظات انبثق فيها الحل حين بدا الطريق مسدوداً. وتضرب مثالاً بإحياء الغابات في أوروبا بعد قرون من إزالتها، واستعادة بعض الأنواع المهددة بالانقراض بفضل برامج الحماية الجادة.
ثانياً: صمود الطبيعة
تستند جودال إلى مشاهداتها الميدانية لتُبيِّن أن الطبيعة قادرةٌ على التعافي حين تُتاح لها الفرصة؛ وتُقدِّم شواهد على نهرٍ تلوَّث ثم عادت إليه الحياة، وغاباتٍ أُضرمت فيها النيران ثم أعادت بناء نفسها. وتُحذِّر في الوقت ذاته من أن النافذة مفتوحةٌ لكنها لن تبقى مفتوحةً إلى الأبد.
ثالثاً: قوة الشباب
تُعلِّق جودال آمالاً واسعة على جيل الشباب، وهي مؤسِّسة برنامج "جذور وأجنحة" الذي وصل اليوم إلى ما يزيد على 170 دولة وينخرط فيه الملايين من الشباب. وتُلاحظ أن الجيل الجديد يمتلك من التوعية البيئية والقدرة على التنظيم ما لم يكن متاحاً لأجيال سابقة، مضيفةً أن الشباب يشعر بمستوى أعمق من الغضب والإلحاح لأن المستقبل ملكه هو.
رابعاً: الروح البشرية التي لا تُقهر
يستحضر الكتاب قصصاً من مناطق النزاع والفقر والمرض، ويُقدِّم شهاداتٍ عن بشرٍ صمدوا في مواجهة ما يبدو مستحيل الاحتمال. وتُؤكد جودال أن القدرة على الصمود والتكيف ليست ضعفاً بل هي الوجه الآخر للأمل.
الكتاب ومحنة كوكبنا
يصدر الكتاب في سياقٍ كوني بالغ الحساسية: أزمة المناخ تتصاعد وتيرتها، والتنوع البيولوجي يتراجع بوتيرة غير مسبوقة منذ انقراض الديناصورات، والفجوات الاقتصادية تتسع، والصراعات المسلحة تُهجِّر الملايين. وسط هذا المشهد، تُقرِّر جودال بصراحة أن ما صنعناه خطيرٌ وجسيم، لكنها تُضيف أن الإذعان لليأس هو أشد ما يخدم مصالح المتسببين في الدمار، لأن اليأس يُولِّد السلبية والسلبية تُبقي الأمور على ما هي عليه.
وتميِّز جودال تمييزاً صريحاً بين الأمل الزائف، الذي يُغمض عينيه عن الواقع، والأمل الحقيقي، الذي يرى المشكلة كاملةً ثم يختار العمل رغم ذلك.
الصدى العالمي
لم يكن مستغرباً أن يحتلَّ الكتاب قوائم الأكثر مبيعاً في أوروبا وأمريكا الشمالية، وأن تُلتقط رسالته بسرعة في سياقات ثقافية متنوعة. فالحاجة إلى خطابٍ عقلاني يتجاوز التشاؤم المُثبِّط دون أن يقع في الإنكار الساذج باتت حاجةً إنسانية عالمية.
على الصعيد العربي، حيث تتضافر أزمات المياه والتغيُّر المناخي والنزاعات المسلحة والضغوط الاقتصادية، يكتسب مفهوم جودال عن الأمل الفاعل - الأمل الذي يشغل اليد والعقل معاً - وزناً إضافياً وإلحاحاً خاصاً.
الخلاصة
"كتاب الأمل" ليس نصاً تُريحك قراءته، بل نصٌّ يُقلقك بطريقةٍ صحية؛ يدفعك إلى مواجهة هشاشة ما تُحبّ، ثم يُقدِّم إليك أسباباً موثَّقة وتجارب مُعاشة تجعل الاستسلام أصعب من المقاومة. وفي ذلك تحديداً يكمن فضله الأكبر: أنه لا يطلب منك الشعور بشيء، بل يُقنعك بفعل شيء.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك