"عشيات وادي اليابس" ..الديوان في قصيدة
يتناول الدكتور إبراهيم الكوفحي في كتابه الموسوم بـ "قصيدة الديوان الشعري مفهومها ودلالاتها: عشيات وادي اليابس لعرار(مصطفى وهبي التل) أنموذجًا" الصادر في عمان هذا العام 2026م. وهو في الأصل بحث نشر في مجلة المشكاة للعلوم الإنسانية والاجتماعية، م12، ع3، كانون أول2025م.
العنوان كما يبدو للقارئ طويل لكنه موفق في الدلالة على موضوع الكتاب، وبيان تركيزه على قصيدة واحدة، حمل عنوانها عنوان مجموعة أشعار مصطفى وهبي التل كلها، من عام 1899 – 1949م. والمقصود بالقصيدة قصيدة "عشيات وادي اليابس"، والشاعر التل معروف باسم عرار، اختاره من وحي بيت للشاعر الجاهلي عمرو بن شأس الأسدي، الذي قاله في ابنه عرار، وهو يتعرض للأذى من ضرة أمه:
أرادت عرارًا بالهوان، ومن يرد عرارًا لعمري بالهوان فقد ظلم
أما وادي اليابس، الذي يشكل المكان المركزي، الذي دارت فيه الأحداث، التي ذكرت سواء في القصيدة أم في كثير من قصائد الشاعر الأخرى فهو وادي الريان الذي يقع في الغرب الجنوبي من مدينة إربد، ويمر بمنطقة شرحبيل بن حسنة، ثم يصب في نهر الأردن. لقد تغني الشاعر بهذا الوادي، لأنه كان مرتع شبابه ومطارح لهوه في خيام النور، التي كان يتردد إليها ليشارك إخوانه النور اللهو وشرب الخمر، وخاصة الهبر، وعبود، وحبيبته جميلة التي أهدى إليها قصيدة الديوان المركزية:
يا أخت واد قد دعوتك باسمه وله نسبت، تبركًا، ديواني
ينطلق الباحث من دراسة تلك القصيدة " عشيات وادي اليابس"، بوصفها القصيدة التي تعمد الشاعر جعلها عنوانًا لديوانه، الذي طبع بعد وفاته، وتجلى فيها معظم الخصائص الموضوعية والفنية لقصائد الديوان كلها.
ففي تلك القصيدة تطرق الشاعر إلى موضوعاتها، التي ترددت في قصائده الأخرى، منها: ضيق عرار من الوظيفة الرسمية، وانتقاده الأوضاع السياسية والاجتماعية أيام الانتداب البريطاني، والتحذير من الخطر الصهيوني، ومعاقرة الخمر، واللهو والمجون في خرابيش النور.
فالشاعر يضيق ذرعًا بالوظيفة الرسمية؛ لأنها حرمته من لذاته في شرب الخمر ومجالسة الندمان. ويعبر عن ذلك بتفرق الأصحاب، وعلو الغبار أوعية الخمر.
إن الزمان، ولا أقول زماني، بين الطوابع والرسوم، رماني
وأحال لذاتي وساوس حاسب يهذي يضرب ثلاثة بثمان
فانظر إلى الندمان كيف تفرقوا بعدي، وكيف علا الغبار دناني
ويصف الشاعر الواقع السياسي، الذي كان ترزح تحته إمارة شرق الأردن تحت الانتداب البريطاني، ويهجو المستشار القضائي الإنجليزي المدعو هوبر، الذي حالت قوانينه الظالمة بينه وبين تدفق شعره.
قانون (هوبر) حال بعض جريضه دون القريض ودون كل بيان
ثم يقف الشاعر في وجه الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، وبحذر من خطورة تنفيذ وعد بلفور على أبناء الوطن من مسلمين ونصارى، وفي ذلك نبوءة مبكرة لما يحدث الآن.
يا رب، إن بلفور أنفذ وعده كم مسلم يبقى وكم نصراني
وكيان مسجد قريتي من ذا الذي يُبقي عليه إذا أزيل كياني
وكنيسة العذراء أين مكانها سيكون إن بعث اليهود مكاني
وينتقل من الواقع السياسي، إلى معاقرة الخمر التي يتناولها من دكان قعوار في عمان فهي تهدئ نفسه، وتجعله يتدفق شعرًا بجمال وروعة.
فاستكتبوا (قعوار) نص تميمة من كل فاكهة بها زوجان
وتعيد أحلام الشباب ضحوكة كالزهر يبسم في سهول معان.
ويذكر مجتمع النوَر، بما عليه من فقر وشقاء، في حالة تشبه الحالة التي عليها هو وبنو قومه. يقول مخاطبا صديقته النورية فتاة وادي اليابس:
قومي وقومك في الصّغَار وجهلهم معنى الحمية كفتا ميزان
أنا وأنت على اختلاف قبيلنا في عرف (بيك) وجيشه سيان
يا أخت سلمى في غناك عذوبة تبكي ويغرق دمعها أحزاني
إلى أن يقول لها:
أهلوك قد جعلوا جمالك سلعة تشرى، وباع بنو أبي أوطاني
ويتردد في القصيدة ضمن وصف الشاعر مجتمع النور الشيخ عبود النجار، الذي يجعل منه رمزًا للموظف الحكومي، الذي لا يجرؤ على قول الحق خوفًا على وظيفته التي يعتاش منها، فيأتي بالأفكار السقيمة التي لا تعبر عن هموم أبناء الوطن، فيكون محط السخرية من الشاعر، لأنه يقفل أمامه باب رحمة الله جراء شربه الخمر؛ فهو مع اعتقاده بحرمة الخمر لا ييأس من رحمة الله.
وإذا بعفو الرحمن يفتح مغلقا (عبود) أوصده على الغفران
ويعود إلى قعوار ويدعوه إلى الخمر:
هات اسقني (قعوار) ليس يهمني قول الوشاة عرار سكرانان
فالكأس لولا اليأس ما هشت له كبد، ولا حدبت عليه يدان
لاحظ الدكتور هذه الموضوعات التي تطرق إليها عرار في قصيدة الديوان "عشيات وادي اليابس" أنها تمتد أغلبها إلى قصائده الأخرى من مجموعة أشعاره، التي وردت تحت عنوان القصيدة ذاتها؛ لتعبر عن رؤية شعرية واحدة؛ فعن الواقع السياسي الذي ألقى بثقله على بلاده بفعل المستعمر يقول الشاعر عرار من قصيدة "نور نسميهم":
فالحر فينا للعلوج مطية والعف منا لليهود يسمسر
باعوا العروبة بالوظيفة، وانبرى لبيع غور أبي عبيدة أزعر
وفي قصيدة "للمرابين" يضجر الشاعر من وظيفته الرسمية التي تعرض فيها لأوامر المتنفذين عندما كان مأمور إجراء في دار العدلية بمدينة إربد كي يصدر أمره بتنفيذ الأحكام الظالمة بحق الفقراء والغارمين لإرضاء فئة المرابين.
أأسجن الناس إرضاء لخاطركم وخشية العزل من ذا المنصب الدون
أم رغبة في تقاضي راتب ضربوا نقوده من دمائي وشراييني
هذه الوظيفة إن كانت وجائبها وقفًا عليكم، فعنها الله يغنيني
إن الصعاليك إخواني، وإن لهم حقًا به لو شعرتم لم تلوموني
فالعزل والنفي حبًا بالقيام به أسمى بعيني من نصبي وتعييني
وعن الشيخ عبود رمز التخلف الفكري، الذي تكثر فتاويه في الدفاع عن المرابين، يقول في نهاية القصيدة السابقة:
قولوا لعبود عل القول يشفيني إن المرابين إخوان الشياطين
ويهاجم عبود في قصيدة "بين الخرابيش" لأنه يحكم عليه بأنه محروم من رحمة الله لشربه الخمر، الذي هو في رأيه أدنى الآثام:
يا شيخ حسبك أن أدنى الإثم منزلة من رحمة الله ما تدعوه أوزاري
ويرى الدكتور إبراهيم الكوفحي أن ظاهرة عبود تتكرر في كثير من قصائد الديوان ومقطعاته، التي وردت تحت عناوين: "يا أيها الرجل"، "يا أيها الشيخ"، "إفلاس"، "نور" وغيرها. ومقابل شخصية عبود تتردد شخصية الهبر صاحبه النوري، الذي ينظر إليه بأنه مثله في تردي الحال وسوء المآل: يقول من قصيدة "العبودية الكبرى":
يا هبر بي فقر كفقـ رك للإباء وللحمية
أو ما تراني قد شبعـ ت على حساب الأكثرية
وأكلت بسكوتًا وهـ ذا الشعب لا يجد القلية.
أما عن ميزات قصيدة الديوان اللغوية والأسلوبية فلا يقف الدكتور الكوفحي عندها طويلًا، وهي الميزات ذاتها التي تتجلى في مجموعة أشعاره من بروز المكان الأردني، واستخدام اللغة الشعبية، واستدعاء الشخصيات التراثية، ونمذجة الشخصيات وتوجيهها الرمزي؛ لبث الحياة في الواقع المعايش، والتعبير عما تعانيه الذات الشاعرة من عذاباته الاجتماعية والسياسية.
هكذا يبين لنا الدكتور إبراهيم الكوفحي في بحثه التطبيقي أن قصيدة "عشيات وادي اليابس" نسخة مضغوطة من مجموعة أشعار مصطفى وهبي التل (عرار) الواردة في ديوانه، أي تمثلها في موضوعاتها وخصائصها اللغوية والأسلوبية، وكأن كل قصيدة غيرها في الديوان تحمل جينات القصائد الأخرى. وفي هذا ربتما دعوة إلى النظر إلى القصيدة التي يضعها الشاعر عنوانًا لعمله، بأنها تحتوي خصائص العمل كله، وفق التفكير النقدي السليم، الذي يرى في الجزء صفات الكل، وفي الكل صفات الجزء، فالعلاقة مركبة بين الطرفين بنية ومضمونًا، والناقد الحقيقي لا يتجاهل هذه الحقيقة الفكرية في تعامله النقدي.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك