هرمز بين مفترق الطرق: الاتفاق أُعلن.. والسفن تنتظر
ا
شركات الشحن العالمية تشترط ضمانات أمنية ملموسة قبل استئناف رحلاتها، ومئات السفن العالقة في الخليج تُعقّد عملية استعادة الملاحة
لم يكن الاتفاق وحده كافياً. هذه الخلاصة التي يتقاسمها كبار المسؤولين التنفيذيين في صناعة الشحن البحري العالمي، حين يواجهون سؤالاً واحداً لا مفر منه: متى تعود السفن إلى مضيق هرمز؟
الجواب المتفق عليه في أروقة صناعة الملاحة ليس "قريباً"، بل "حين يُثبت الواقع ما وعد به الاتفاق".
أسابيع لا ساعات
أفصح الرئيس التنفيذي لشركة "ميتسوي أو إس كيه لاينز" اليابانية، إحدى كبرى شركات الشحن في آسيا، عن مشهد الانتظار المحسوب بدقة. فوفق ما رصدته الأوساط المالية، قدّر المسؤول أن عملية استئناف الملاحة عبر المضيق ستستغرق ما بين أسبوعين وشهر كامل، وهو تقدير يعكس ثقل الملف التشغيلي والأمني معاً.
وكشفت صحيفة "فايننشال تايمز" أن معظم شركات الشحن ستلتزم سياسة الانتظار قبل إعادة تشغيل رحلاتها، رافضةً أن تكون مجرد إعلانات سياسية أو مذكرات تفاهم عامة وقوداً كافياً لتسيير أساطيلها عبر ممر ظل لنحو مئة يوم في حكم المغلق أمام حركة التجارة الدولية.
فحتى في حال توقيع الاتفاقية الكاملة وسريانها، يرى الخبراء أن استئناف الملاحة لن يكون فورياً، إذ يتوقف استعادة الحركة البحرية في مجملها على التدابير الأمنية المتخذة على أرض الواقع، إلى جانب مستوى الثقة الذي تُوليه المجموعة الملاحية الدولية لاستقرار المنطقة على المدى البعيد.
الألغام: المجهول الأخطر
ثمة عامل يُسكت الحماس أكثر من أي خطاب سياسي، هو ملف الألغام البحرية. بدأت إيران في زراعة الألغام بمضيق هرمز في مارس الماضي، إثر اندلاع الحرب مباشرة، مستخدمةً قوارب صغيرة لنشر هذه الأسلحة عبر الممر المائي. وأكد مسؤولون أمريكيون أن العملية اعتمدت على قوات لامركزية تعمل دون تسلسل قيادي واضح، ولم تتبع بشكل منهجي مواقع الزرع، بل إن بعض هذه الألغام نُشرت بطرق سمحت لها بالانجراف بعيداً عن مواقعها الأصلية.
وهذا ما يجعل المأزق بالغاً في دقته: إزالة الألغام البحرية أصعب بكثير من زرعها. وصرّح وزير الخارجية الإيراني بأن المضيق سيفتح "مع مراعاة القيود التقنية"، وهو ما قرأه مسؤولون أمريكيون باعتباره إقراراً ضمنياً بعجز طهران عن تحديد أماكن الألغام أو إزالتها بسرعة.
وأعلن الحرس الثوري الإيراني وضع مسارات بديلة للملاحة، غير أن منظمات ملاحية دولية كـ BIMCO
والغرفة الدولية للشحن أصدرت إرشادات تحذيرية تنبّه إلى مخاطر الازدحام البحري والحوادث الناجمة عن وجود الألغام، داعيةً إلى أقصى درجات الحيطة.
خمسمائة سفينة تنتظر الخروج
إلى جانب التحديات الأمنية، يواجه العالم معضلة لوجستية استثنائية. فقد شدد ملاك السفن على ضرورة تنظيم عملية مغادرة ما يزيد على خمسمائة سفينة راسية حالياً في مياه الخليج، وهي كمية هائلة من الحمولات المتراكمة تشمل الناقلات النفطية وناقلات الغاز وسفن الحاويات، تنتظر ساعة الحل الآمن والمنظّم.
لم تُسجّل بيانات رصد الحركة البحرية أي تدفق يُذكر للناقلات في أعقاب الإعلان عن الاتفاق، وسط تجمع عشرات السفن على جانبي المضيق، في مؤشر واضح على تفضيل شركات الشحن سياسة الترقب ومراقبة صمود الاتفاق قبل المجازفة بإعادة تشغيل رحلاتها.
بصيص أول
في خضم هذا الحذر المحسوب، سجّلت الملاحة عبر مضيق هرمز أول بادرة عملية ميدانية، حين أظهرت بيانات تتبع السفن عبور ناقلة غاز طبيعي مسال تابعة لشركة "بترونت" الهندية، لتكون الشحنة الأولى من نوعها منذ الإعلان عن الاتفاق، رغم استمرار موجة الحذر السائدة في أوساط شركات الشحن.
كما رحّبت شركة "هاباغ لويد" الألمانية، إحدى أكبر شركات الشحن عالمياً، بالاتفاق وأعربت عن أملها في أن تتمكن سفنها من عبور المضيق قريباً، فيما قالت شركة "نيبون يوسن"، أكبر شركة شحن يابانية، إنها تأمل في عودة العمليات إلى طبيعتها في أقرب وقت ممكن، مع التأكيد على ضرورة توافر ضمانات واضحة قبل الانطلاق.
أكثر من مجرد مضيق
لا تزال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في أواخر فبراير الماضي، تُلقي بظلالها الثقيلة على الملاحة عبر المضيق، الذي يمر من خلاله نحو عشرين بالمئة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، إلى جانب سلع حيوية كالألمنيوم واليوريا.
وهذا ما يجعل استعادة الملاحة الكاملة قضية تتجاوز حدود اتفاق ثنائي بين واشنطن وطهران، لتمس شرايين الاقتصاد العالمي من طوكيو إلى روتردام، ومن سيول إلى ميناء جدة.
هل تعود الثقة؟
يلفت المحللون إلى أن شركات الشحن شهدت بالفعل فتحاً مؤقتاً للمضيق مرتين في وقت سابق قبل أن يُغلق مجدداً ، وهو ما يجعل الثقة سلعة نادرة في هذه الأزمة. لذا لن يكون إعلان السلام وحده كافياً — بل تحتاج هذه الصناعة إلى شيء أصعب من التوقيعات: تحتاج إلى رؤية بياناتها الميدانية تؤكد أن المضيق آمن، وأن ألغامه أُزيلت، وأن لا شبح يتربص تحت الماء.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك