من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

إسبوعٌ في مصحةٍ نفسية

منى بغدادي
إسبوعٌ في مصحةٍ نفسية


مررتُ بفترةٍ بدا فيها رأسي كمدينةٍ انقطعت عنها الكهرباء.إشاراتُ مرور متوقفة ، شوارعُ متشابكة، وضجيجُ لا يعرف إلى أين يذهب.


كنتُ أتحركُ بين الناس بوجهي المعتاد، بينما شيءٌ ما في الداخلِ كان يستهلكُ آخِرَ ما تبقى من قدرتي على الاحتمال.


ذات يوم ، جلستُ أمام طبيبتي النفسية وقلت: — أريد أن أختفي أسبوعاً . لم أطلبْ علاجاً. لم أطلبْ وصفةً جديدة.

أردتُ فقط أن أضعَ العالمَ خارجَ البابِ لبعض الوقت.

نظرَتْ إليّ طويلاً ، ثم طلبَتْ مني العودةَ بعد أسبوع إن ظلَّ القرارُ كما هو. 

كان أسبوع الانتظار أثقلَ من عامٍ كامل. اشتريتُ حقيبةَ سفرٍ جديدة.

اخترتُها بعنايةٍ لا تليق بمن يقفُ على حافّةِ التآكل.

ملأتُها بأشياءَ جديدة ؛ ملابسَ جديدة ، دفتراً جديداً،وحتى فرشاةِ أسنانٍ جديدة.

ربما كنتُ أبحثُ عن بدايةً جديدةٍ داخلَ الأشياء.

حين عُدتُ إلى الطبيبة، سألتني: — أما زلتِ ترغبين في الذهاب؟

أجبتُ فوراً : — أكثرَ من أي وقتٍ مضى.

كتبَتْ خطابَ التحويل. ورقةٌ صغيرة، لكنها بدَت لي كجسرٍ بين شخصين ؛ امرأةٌ أعرفها جيداً وأخرى لم ألتقِ بها بعد.

في صباحِ اليوم المحدد، حملتُ حقيبتي وغادرت.

بعد إنهاء الإجراءات، طُلب مني تسليمَ هاتفي المحمول.

توقفتُ لحظة. لم يكنْ جهازاً صغيراً فحسب.

كان آخرَ نافذةٍ أُطِلُّ منها على الخارج.

وضعتُه فوق مكتبِ موظفةِ الاستقبال ، قادوني عبر ممر طويل.

كانت الجدرانُ شديدةَ البياضِ حتى بدَتْ كأنها تمحو آثارَ الأصواتِ القديمة.

وصلتُ إلى غرفتي. سرير. خزانة. نافذة.

ولا شيء يطالبني بأن أكون أقوى مما أستطيع.

في المساءِ جلستُ في الحديقة. أرجوحةٌ تتحركُ ببطء. أشجارٌ تتبادلُ الظلال. سيداتٌ تحملُ كلُّ واحدةٍ منهنَّ معركةً لا تظهرُ على الوجه.

هناك من جاءتْ بإرادتها. وهناك من جاءت بعد أن دفعَتْها الأيامُ بقوة.

لم يكنْ أحدٌ يشرحُ الكثير. لكن الوجوهَ كانت تتكلمُ بما يكفي.

بدأتِ الأيامُ تتشابهُ في شكلها وتختلفُ في أثرِها.

استيقاظٌ مبكّر. وجباتٌ في مواعيدَ ثابتة. جلساتٌ فرديةٌ وجماعية. ساعاتٌ في الحديقة.

وأحاديثٌ قصيرةٌ تكشفُ أحياناً ما تعجزُ عنه الخطَبُ الطويلة.

في أحد الأيام،جلس معي المشرف النفسي وقال: — خلال عشرين عاماً هنا، لاحظتُ شيئاً غريباً … أكثر القادمين إلى هذا المكان هم أصحاب الإحساسِ المرهفِ والعقولِ التي لا تتوقف عن الدوران.

ظلّت الجملةُ معلّقةً داخلي طويلاً .

كأن أحداً وصف غرفة كنتُ أعيشُ فيها دون أن أُدرِكَ ملامِحَها..

شيئاً فشيئاً بدأْتُ ألاحظُ تغيراتٍ صغيرة.

لم تعد الأفكارُ تتدافعُ بالطريقة نفسها.

ولم يعد كلُّ شيءٍ يستحقُ القدْرَ نفسَهُ من الاستنزاف.

كان الأمرُ أشبهَ بآلةٍ ظلَّتْ تدورُ داخلي سنواتٍ طويلة، ثم نفد وقودُها أخيراً .

لأول مرةٍ منذُ زمنٍ بعيد، استطعتُ أن أنظرَ إلى نفسي من الخارج.

لا كخصم..ولا كقضية تحتاج إلى حُكْم..بلْ كإنسانةٍ أنهكَها الطريقُ أكثرَ مما ينبغي.

مرت الأيامُ أسرعَ مما توقعْت. وتحوّل المكانُ الذي دخلتُهُ متوجسةً،إلى مساحةٍ أعرفُ تفاصيلَها جيداً .

الأرجوحة.. رائحةَ القهوة.. خطواتِ الممرضات. الأحاديثَ المسائية.

والوجوهَ التي جمعتنْا صدفةً تحت سقف واحد.

ثم جاء موعدُ المغادرة. وقفتُ أمام البابِ الخارجي طويلاً . خلفهُ العالمُ نفسه.

الطرقاتُ نفسُها. الضجيجُ نفسُه. والأسئلة نفسُها.

مددتُ يدِيْ نحو المِقبض. فتحتُه. خطوْتُ خطوةً واحدة.

ثم… استيقظت. فتحتُ عينيّ لأجدَ غرفتي. سريري. نافذتي. وهاتفي إلى جواري.

لا مصحّة. لا حديقة. لا أرجوحة. لا وجوهٌ شاركتني الرحلة.

كان كلُّ شيء حلماً . لكن أكثرَ ما أربَكني أنني لم أحلم بثروةٍ أو شهرةٍ أو مدينةٍ من ذهب.

حلمتُ فقط،بمكانٍ يسمحُ للروحِ أن تلتقطَ أنفاسَها قبل أن تتبعثر.

ومنذ ذلك الصباح، لم أعُد أفكرُ في الحلم بوصفهِ خُدعةُ نوم.

بل بوصفه رسالة. رسالةٌ تقول،إن أكثر ما نبحث عنه أحياناً ليس الهروب من العالم… بل إنقاذُ ما تبقَّى قبل أن تبتلِعَهُ الضوضاءُ كلها.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

1 تعليق
سعوذ الغرابي 16/06/2026 - 07:47 PM
عندما يصبح الحلم علاجاً..!
أجدْتِ أستاذه منى👍

أضف تعليقك

9492
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.