من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

شَاعِرُ الأَمَل

بقلم: صلاح الدين عثمان
شَاعِرُ الأَمَل



رَغْمَ مَا لَازَمَ حَيَاتَهُ مِنْ أَلَمٍ، ظَلَّ الشَّاعِرُ الرَّاحِلُ حَسَن عَوَض أَبُو الْعَلَا يُشْعِلُ رُوحَهُ بِالأَمَلِ، وَيُحَوِّلُ جِرَاحَهُ إِلَى أُسْطُورَةٍ حَالِمَةٍ تُنْشِدُ الْحَيَاةَ وَتُبَشِّرُ بِالْغَدِ. 

قَصِيدَتُهُ هَذِهِ تَجْسِيدٌ لِقُدْرَةِ الشِّعْرِ عَلَى تَحْوِيلِ الأَلَمِ إِلَى نَغْمٍ يَسْتَدْعِي الأَمَلَ.


نَصُّ القَصِيدَةِ

وَلَّى المَسَاءُ الوَالِهُ المَحْزُونُ فِي جَوْفِ الضَّبَابِ

وَأَنَا أُهَيِّئُ زِينَتِي وَأُعِدُّ مُفْتَخِرَ الثِّيَابِ

آمِلًا لِقْيَاكَ الحَبِيبَ وَيَصُدُّنِي زَهْوُ الشَّبَابِ


أَمْسِي مَضَى بَيْنَ التَّحَسُّرِ وَالأَنِينِ

وَوِسَادَتِي بَلَّلْتُهَا بِالدَّمْعِ وَالدَّمْعِ السَّخِينِ

مَعَ تَبَاشِيرِ الصَّبَاحِ وَبَسْمَةِ الفَجْرِ الأَمِينِ

غَنَّيْتُ مِثْلَ الطَّيْرِ فَرَحًا فِي رِيَاضِ العَاشِقِينَ


تَسْرِي النَّسَائِمُ عَذْبَةً وَأَنَا أَهِيمُ بِلَا مَلَالٍ

وَتَقُودُنِي الآمَالُ فِي دُنْيَا المَبَاهِجِ وَالخَيَالِ

وَهُنَاكَ أَرْقُدُ فِي الرِّمَالِ وَلَا أَرَى غَيْرَ الرِّمَالِ


غَدًا أَذُوبُ مُهْجَتِي فِي حَرِّ أَنْفَاسِ الغَرَامِ

أَرْنُو إِلَيْكَ َوَلَوْعَتِي ظَمَأٌ تَأَجَّجَ فِي ضِرَامِ

وَأَبِيتُ أَعْشَقُ فِي الدُّجَى طَيْفًا يُنَادِي فِي مَنَامِ

أَبَدًا أَعِيشُ بِحُبِّهِ أَنَا غَيْرُ أَحْبَابِي حُطَامِ


غَدًا نَكُونُ كَمَا نُرِيدُ وَنَلْتَقِي عِنْدَ الغُرُوبِ

غَدًا تَجِفُّ مَدَامِعِي وَتَزُولُ عَنْ نَفْسِي الكُرُوبُ

غَدًا تَعُودُ مَبَاهِجِي غَدًا حَبِيبِي حَتْمًا يَعُودُ!


التَّأْوِيلُ

المساء والضباب  

المساء الواله المحزون في جوف الضباب يفتتح النص بظلالٍ من الغربة والانطفاء، غير أنّ الشاعر يواجه هذا الانطفاء بالتهيؤ للزينة والثياب، فيتحوّل الحزن إلى انتظارٍ مشرق، كأن العتمة تُخفي خلفها وعداً باللقاء. 

الأمل هنا يتبدّى كقوةٍ مضادة للاغتراب، يطلّ من قلب العتمة.


الدموع والفجر  

الليل مثقل بالتحسّر والأنين، والوسادة شاهدة على الدمع السخين. 

لكن مع تباشير الصباح وبسمة الفجر الأمين ينقلب المشهد إلى غناءٍ وفرحٍ يشبه الطيور في رياض العاشقين. 

الدموع لا تُطفئ الأمل، بل تُمهِّد لولادته مع الفجر، وكأن الألم نفسه هو الذي يُنجب النشيد.


النسائم والخيال  

النسائم العذبة تسري، والخيال يفتح أبواب المباهج. 

حتى وإن كان الواقع قاحلاً كالرمال، فإن الروح تهيم بلا ملال، وتجد في الخيال فضاءً أرحب من حدود الأرض. 

الطبيعة هنا ليست مجرد خلفية، بل هي شريك في صناعة الأمل، تُنعش الروح وتفتح لها منافذ الهروب من قسوة الواقع.


الطيف والمنام  

غياب الحبيب لا يُطفئ نار العشق، بل يتحوّل إلى طيفٍ ينادي في المنام. الحلم يصبح امتداداً للواقع، والخيال يملأ فراغ الغياب. 

الطيف هنا رمزٌ لاستمرار الحب رغم الحطام، وصوتٌ داخلي يرفض الانطفاء، فيُبقي القلب مشدوداً إلى وعدٍ لا ينقطع.


الغد المتكرّر  

تكرار كلمة «غدًا» هو المفتاح الذي يشدّ القصيدة من أول بيت إلى آخرها. 

الغد ليس زمناً مؤجَّلاً فحسب، بل يقينٌ يتردّد في كل بيت، وعدٌ يتجدّد مهما طال الانتظار. 

المساء يتحوّل إلى صباح، الدموع إلى غناء، الطيف إلى وعد، والغد إلى يقين. 

الألم هنا ليس نهاية، بل بدايةٌ لأسطورةٍ حالمة تُبشّر بالحياة.


الإسكندريَّة ١٧ يونيو ٢٠٢٦م

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9504
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.