من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

مكافأة الدوبامين

القاهرة : " نقاش "
مكافأة الدوبامين


 ذكرت ‏دراسة علمية صادرة عن (جامعة بيتسبرغ) أن 

مادة الدوبامين تلعب دورًا رئيسيًا في نظام المكافأة داخل المخ، من خلال تحفيز الشخص على القيام بأنشطة معينة بغرض الوصول إلى الشعور بالمتعة عندما تُفرَز داخل المخ.


في نهاية الخمسينات الميلادية حين تم التعرف "الدوبامين" كناقل عصبي في الدماغ البشري… على يد "أرفيد كارلسون" و "كاثلين مونتاجو" منذ ذلك الحين دأب بعض الناس ينبشون أموراً تحفز الدوبامين؛ لارتباطه بشعور اللذة = المؤدية للمتعة، لكنّ تطلّب المتعة والسعي خلف اللذة أمر جُبلت عليه النفس الإنسانية مذ خُلقت.

‏الدوبامين ليس مجرد "هرمون السعادة" كما يُشاع، بل هو ناقل عصبي دقيق يُنظّم الإدراك والحركة والسلوك، ويعمل موزعاً كيميائياً بين خلايا الدماغ. المشكلة ليست في الدوبامين نفسه، بل فيما باتت تفعله بنا منصات المحتوى الرقمي السريع. 


أوردت "أنا ليمبيكي"مؤلفة كتاب أمة الدوبامين مجموعة من الحالات المرضية التي باشرت علاجها من الإدمان، إذ كان باعثهم للإدمان استدعاء حالة من اللذة يستمتع بها لحظات ثم ينتكس في وعثاء الألم ومعاناته إذا لم يعد يشعر باللذة، فيصير في دوامة بحث عن لذة تعتريه في طريقها آلام ومصاعب وهكذا دواليك.

وإذا قرأت حالة الإدمان الساعي خلف اللذة كأننا نتخيل أرجوحة في إحدى جوانبها "لذة" ، يقابلها "ألم"، فيكون الإنسان متأرجحاً تارة ينزاح إلى شطر الألم بغية اللذة فإذا زالت سعادة اللذة بدأت الآلام تغمره.

وتلك إحدى وظائف الدماغ فإذا تعرّض الجسد لنوع الألم وازن الدماغ ذلك بشعور اللذة، حتى يصل إلى فقدان اللذة (Anhedonia)، وأحيانا يكون الاستمتاع ليس بالحصول على المطلوب بل بطريق الوصول للمطلوب فتخالطه المتعة كمكافأة لحصول مطلوبه، وليس هذا حكراً على إدمان المواد المخدرة والكحول بل ذكرت المعالجة مؤلفة الكتاب أنواعاً أخرى مثل إدمان الجنس وإدمان العمل …


ما يُعرف بـ"تعفّن الدماغ" أو Brain Rot هو حالة من الإرهاق الذهني وتآكل التركيز، تنشأ حين يُغرق الإنسان نفسه بالفيديوهات القصيرة المتتالية. هذه المنصات لا تُقدّم محتوى فحسب، بل تُمارس ما يمكن تسميته "هندسة الإدمان": نهايات مبتورة تستدعي الاستمرار، تشغيل تلقائي لا يمنح لحظة توقف، وإيقاع متصاعد لا يُتيح للعقل أن يستريح. والنتيجة؟ انتباه مُجزَّأ، واكتئاب ما بعد المسلسل، واحتراق تدريجي في مستقبلات الدوبامين ذاتها. 

 لكن المرء يقف حامداً ربه إذ عُوفي من ضروب الإدمان؛ ففيه تعلق بأسباب واهنة تغير مسار حياته وأسلوب معيشته وتتركه أسيراً لما أدمنه، وإن النفس الإنسانية أكرم أن تتعلق بمادة مخدّرة أو آلة مصنّعة، وإن الفضيلة الاعتدال في طلب اللذة وما يكون بعدها من متعة، لا أن يكون المعنى المفسر لحياة المرء والدافع للأعمال هو الغلو في الملذات ومزاحمتها لباقي أمور الحياة، ولعل من رحمة الله أن جعل في ثنايا الآلام ومضاً من اللذات، وحين انتهاء اللذائذ والمتع تبدأ لفحة من الألم ليستعيد الإنسان توازنه في حياته فلو كانت كل لحظاته "ألم" لم يعرف اللذة، ولو كانت كل لحظاته ملذات لا يعتوره منغّص فقد طعم اللذة.


الدراما والمسرح لم ينجُوا من هذا المنطق. كثير من منصات الإنتاج تخلّت عن البناء الدرامي الهادئ لصالح صدمات بصرية متتالية، وحوار مُفتَّت، وكوميديا قائمة على الإيفيهات المتسارعة. أما المسرح التقليدي، الذي كان يستند إلى الحوار العميق والصمت الدرامي، فبات يجد صعوبة في استقطاب جمهور تعوّد على التحفيز اللحظي المستمر. 

فكيف يُقاوم المسرح الحقيقي والدراما الأصيلة هذا التعفّن؟ وكيف نُعيد لحياتنا الاجتماعية عمقها، حين باتت محادثاتنا مُجزَّأة كالريلز، وصداقاتنا مختصرة كتعليق، وحضورنا مع بعضنا منقوصاً لأن جزءاً منّا دائماً في مكان آخر على الشاشة؟

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9509
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.