من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ميثاق الهجرة الأوروبي الجديد: قواعد ملزمة لسبع وعشرين دولة وتساؤلات معلّقة حول مفارقة القارة العجوز

بروكسل : " نقاش "
ميثاق الهجرة الأوروبي الجديد: قواعد ملزمة لسبع وعشرين دولة وتساؤلات معلّقة حول مفارقة القارة العجوز



دخل ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد حيز التطبيق الفعلي في الثاني عشر من يونيو 2026، ليُرسي لأول مرة في تاريخ الاتحاد الأوروبي منظومةً قانونيةً ملزِمةً توحّد آليات إدارة الحدود وإجراءات اللجوء وتوزيع الأعباء بين سبع وعشرين دولة عضواً. غير أن دخوله حيز التنفيذ لا يُسدل الستار على جدل سياسي وحقوقي محتدم، بل يفتحه على مصراعيه.

ميثاق عقدٍ من التفاوض

يُعدّ الميثاق، المعروف بـ"ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي"، مجموعةً من القواعد الأوروبية الجديدة المتعلقة بالهجرة، إذ اقترحته المفوضية الأوروبية لأول مرة في سبتمبر 2020، وتوصل المشرّعون الأوروبيون إلى اتفاق بشأنه في ديسمبر 2023، قبل أن يُجيزه البرلمان الأوروبي في أبريل 2024 بأغلبية ضيقة لم تتجاوز ثلاثين صوتاً في بعض بنوده، ثم صادق عليه مجلس الاتحاد الأوروبي في مايو من العام ذاته، بينما صوّتت ضده المجر وبولندا. 


يغطي الميثاق طيفاً واسعاً من القضايا التي تمسّ جميع جوانب منظومتَي الهجرة واللجوء، ويهدف إلى ضمان تمتع الاتحاد بحدود خارجية متينة وآمنة، وصون حقوق الأفراد، وعدم إفراد أي دولة عضو بتحمّل عبء الضغط الهجري وحدها. كما يُدرج قضية الهجرة بصورة راسخة في إطار الشراكات الدولية، بما يُعين على الحدّ من الهجرة غير النظامية ومكافحة تهريب البشر. 

عشرة تشريعات وثلاثة مليارات يورو

يتألف الميثاق من عشرة قوانين أوروبية تطال جميع مراحل إدارة اللجوء والهجرة، بدءاً من الفرز الأولي للمهاجرين غير النظاميين لدى وصولهم إلى الحدود الأوروبية، وانتهاءً بتحديد الدولة العضو المسؤولة عن البتّ في طلب اللجوء، مروراً بآليات التضامن والتعاون بين الدول الأعضاء. 

رصدت المفوضية الأوروبية ثلاثة مليارات يورو لدعم تطبيق الميثاق، تشمل التكفّل بالحماية المؤقتة للأوكرانيين النازحين.

وفي إطار آلية التضامن، حُدّد حجم المساهمات التضامنية لعام 2026 بحصة مرجعية تبلغ واحداً وعشرين ألف عملية إعادة توزيع أو ما يعادلها من مساهمات أخرى، أو تقديم مبالغ مالية تصل إلى أربعمئة وعشرين مليون يورو؛ وقد خلص تقييم المفوضية إلى أن قبرص واليونان وإيطاليا وإسبانيا تقع تحت ضغط هجري متصاعد، وهي الدول المؤهلة للاستفادة من هذا الصندوق.

إجراءات مُسرَّعة وتحديات التطبيق

تستلزم الاستعدادات لتطبيق الميثاق من الدول الأعضاء إعادة صياغة تشريعاتها الوطنية لمواءمة أجهزتها الأمنية والقضائية ومكاتب الهجرة مع الأطر القانونية الأوروبية الجديدة. وقد بادرت دول الخطوط الأمامية إلى تعيين حرس حدود إضافيين وموظفين متخصصين في إدخال البيانات، فيما أعادت دول الشمال هيكلة تمويل مرافق إيواء طالبي اللجوء. 


بيد أن التطبيق اصطدم بعقبات جوهرية؛ إذ طلبت كلٌّ من هولندا والمجر الانسحاب من الميثاق، فيما أعلنت فرنسا انفتاحها على إعادة التفاوض حول مضمونه. وكانت جميع دول الاتحاد ملزمةً بتقديم خططها التطبيقية بحلول الثاني عشر من ديسمبر 2025، غير أن أربع عشرة دولة فحسب استوفت هذا الشرط في الموعد المحدد. 

وفي السياق ذاته، أشارت تقارير إلى أن كثيراً من الدول تفتقر إلى الطاقة الاستيعابية الكافية لإيواء الأشخاص بأمان إبان إجراءات الفرز الحدودي. 

مفارقة أوروبية محرجة

في قلب النقاش المتصاعد حول الميثاق تكمن تناقض بنيوي عميق؛ فعلى الرغم من تسميته "ميثاق الهجرة واللجوء"، فإنه في حقيقته لا يعالج قضية الهجرة بمفهومها الشامل، ولا يتصدى للمشكلات التي تواجهها الدول الأعضاء جماعياً في ما يتعلق بالعجز في سوق العمل أو الشيخوخة السكانية. فالسياسات الهادفة إلى استقطاب المهاجرين لقطاعات بعينها كالزراعة والبناء والرعاية الصحية، أو لاستقطاب الكفاءات إلى قطاعات أخرى، تقع خارج نطاق هذا الميثاق كلياً. 


وتُجلّي الأرقام الإحصائية حجم هذا التناقض: يُفيد مكتب الإحصاء الأوروبي "يوروستات" بأن معدل الهجرة النظامية من خارج الاتحاد يبلغ نحو أربعة ملايين ومئتي ألف مهاجر سنوياً، في مقابل هجرة مليون وستمئة ألف أوروبي للخارج، بينما سُجِّل في عام 2025 ما يزيد على ستمئة وتسعة وستين ألف طلب لجوء أولي عبر دول الاتحاد. 

فشيخوخة سكان أوروبا وتقلّص قوتها العاملة والعجز الموثّق في سوق العمل تجعل المهاجرين عموداً فقرياً لا غنى عنه في قطاعات الرعاية الصحية والاجتماعية والزراعة والنقل والبناء والخدمات المنزلية.

وتُحذّر دراسة صادرة عن مؤسسة فريدريش ناومان الليبرالية من أن الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة سيواجهان عجزاً يبلغ عشرات الملايين من العمال بحلول عام 2050، لا يمكن سدّه بمعدلات مواليد مرتفعة أو تمديد سن التقاعد وحدهما، مما يجعل الهجرة الحل الواقعي الوحيد لهذا النقص. 

حقوقيون ينتقدون "إجراءات الحدود السريعة"

تُشير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن القواعد الجديدة ستُقوِّض حق اللجوء من خلال تيسير قيام الحكومات بالبتّ السريع في طلبات الحماية، وتقليص الضمانات المقررة في إجراءات اللجوء. 

ويُعدّ إجراء الحدود السريع المصمَّم لتسريع معالجة طلبات اللجوء وإعادة الأشخاص بسرعة إلى بلدانهم الأصلية أو عبور العودة، من أكثر بنود الميثاق إثارةً للجدل، لا سيما فيما يخص الجنسيات ذات معدلات الاعتراف بوضع اللاجئ التي تقل عن عشرين بالمئة، إذ قد يُفضي ذلك إلى رفض تلقائي دون مراعاة الظروف الفردية. 


في المقابل، يتضمن الميثاق بعض الإصلاحات الإيجابية، من بينها إلزامية التقييمات متعددة التخصصات لتحديد أعمار الأطفال، وضمان حصولهم على التعليم في غضون شهرين من تقديم الطلب، كما وُسِّع تعريف الأسرة ليشمل الأسر التي تكوّنت خلال رحلة الهجرة، ومُنح طالبو اللجوء البالغون حق العمل بعد مضي ستة أشهر كحدٍّ أقصى، بدلاً من تسعة. 

المجر وبولندا: جدران داخل الجدران

لا تقتصر العقبات على التحديات الحقوقية والبنيوية، بل تمتد إلى الخلاف السياسي داخل الاتحاد نفسه. فبعد دخول الميثاق حيز التطبيق في يونيو 2026، أوضح المحلل سيباستيان لانج أن المفوضية الأوروبية تتحمل المسؤولية الأساسية عن التطبيق الفعلي، مشيراً إلى أن المجر وبولندا انسحبتا فعلياً من آلية التوزيع التضامني لطالبي اللجوء القادمين إلى الحدود الخارجية للاتحاد، وأن الصراع سيستمر يدور خلف الكواليس. 

وعلى صعيد المخاوف الجيوسياسية، خلص ألبيرتو هورست نيدهارت، رئيس برنامج الهجرة في المركز الأوروبي للسياسات، إلى أن المنظومة الجديدة لن تكون قادرة على التعامل مع موجات النزوح الجماعي، وأن الدول قد تلجأ مجدداً إلى إغلاق حدودها في مواجهة مثل هذه السيناريوهات.

استراتيجية أوروبية على المدى البعيد

في يناير 2026، قدّمت المفوضية الأوروبية أولى استراتيجياتها الشاملة لإدارة اللجوء والهجرة، التي ترسم التوجه الاستراتيجي للاتحاد في هذا الملف للفترة الممتدة بين 2026 و2031.

وتُقرّ المفوضية صراحةً بأن ازدهار القارة في السنوات المقبلة سيتوقف جزئياً على قدرة الاتحاد على استقطاب الكفاءات والمواهب من خارجه، في ضوء التحولات الديموغرافية ومجتمعات الشيخوخة السكانية في أوروبا. 

لا يُمثّل دخول ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي حيز التطبيق نهاية المسار، بل محطةً فارقة في صراع مفتوح بين إغراء الانكفاء والتحصّن خلف الحدود، وضرورة الانفتاح التي تفرضها معادلة الاقتصاد والديموغرافيا بلا هوادة. فأوروبا التي تبني الجدران تحتاج في الوقت نفسه إلى من يملأ المستشفيات والمزارع وورش البناء، وهذه المفارقة وحدها كفيلة بإبقاء ملف الهجرة حاراً فوق طاولة البرلمانات والمحاكم والشوارع الأوروبية لسنوات مقبلة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9512
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.