من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

حَسَبَ الظُّرُوف

بقلم: صَلاحُ الدِّينِ عُثْمَان
حَسَبَ الظُّرُوف



كُنتُ أَعْمَلُ طَبِيبًا فِي مُسْتَشْفَى عَطْبَرَةَ، وَأَسْكُنُ فِي المِيزِ مَعَ زَمِيلِي. 

جَاءَ يَسْتَلِمُ عَنِّي وَرْدِيَّةَ العَمَلِ فِي قِسْمِ الطَّوَارِئِ. 

وَأَثْنَاءَ تَبْدِيلِ مَلَابِسِي لِلْخُرُوجِ، دَخَلَتْ فَتَاتَانِ، فَبَدَأَ زَمِيلِي بِالكَشْفِ عَلَى أَصْغَرِهِمَا.

قُلتُ لَهُ:

- سَأَنْتَظِرُكَ لِلذَّهَابِ إِلَى حَفْلَةِ نَادِي الضُّبَّاطِ.

لَاحَظْتُ سَيَّارَةَ جِيبٍ تَقِفُ أَمَامَ بَابِ الطَّوَارِئِ، وَإِلَى جَانِبِهَا السَّائِقُ. 

أَشَارَ لِي السَّائِقُ أَنَّ الفَتَاةَ تُحَادِثُنِي. 

اِلْتَفَتُّ فَإِذَا بِهَا أَمَامَ البَابِ.

قَالَتْ وَهِيَ تَبْتَسِمُ:

- يُشَرِّفُنَا أَنْ نَلْتَقِيَكُمْ فِي النَّادِي.

أَجَبْتُهَا بِكُلِّ سُرُورٍ مَعَ نَظْرَةٍ فَاحِصَةٍ، وَلَكِنَّنِي ارْتَبَكْتُ فَهِيَ تَنْظُرُ فِي وَجْهِي مُبَاشَرَةً. 

حَيَّيْتُهَا سَرِيعًا وَاتَّجَهْتُ صَوْبَ بَوَّابَةِ الخُرُوجِ.

كَانَ أَخِي التَّوْأَمُ قَدْ أَعْلَمَنَا بِهَذِهِ الحَفْلَةِ، كَتَقْلِيدٍ دَائِمٍ مِنْ رِئَاسَةِ سِلَاحِ المَدْفَعِيَّةِ فِي مَوَاسِمِ الأَعْيَادِ، وَقَدْ جَاءَ فِي مُهِمَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِعَمَلِهِ ضَابِطًا.

بَعْدَ قِسْطٍ مِنَ الرَّاحَةِ جَاءَ زَمِيلِي، وَكَانَتِ المُفَاجَأَةُ قُدُومَ الفَتَاتَيْنِ لِأَخْذِنَا بِالسَّيَّارَةِ. 

اعْتَذَرَ زَمِيلِي لِانْتِظَارِ صَدِيقِنَا التَّاجِرِ الَّذِي يُقْضِي مَعَنَا الأَمْسِيَاتِ طِوَالَ عُطْلَةِ عِيدِ الأَضْحَى، فَتَوَجَّهْنَا صَوْبَ النَّادِي.

طِوَالَ الطَّرِيقِ حَدَّثَتَانِي عَنْ وَالِدِهِمَا الضَّابِطِ الكَبِيرِ وَمَسْكَنِهِمَا فِي حَيِّ الضُّبَّاطِ بِالمُعَسْكَرِ الشَّرْقِيِّ، وَأَنَّهُ يَحُجُّ هَذَا العَامَ وَبِرِفْقَتِهِ وَالِدَتُهُمَا.


وَصَلْنَا، فَإِذَا بِأَخِي يُقَدِّمُ البَرْنَامَجَ. كَيْفَ لا وَهُوَ الهَاوِي لِلْغِنَاءِ وَالأَدَبِ، فَلَفَتَ الأَنْظَارَ بِتَرْحِيبِهِ بِي.

اِنْتَبَهَتِ الشَّقِيقَتَانِ إِلَى وَجْهِ الشَّبَهِ بَيْنَنَا، وَلَكِنَّهُ مَفْتُولُ العَضَلَاتِ لِعَسْكَرِيَّتِهِ.  

وَأَضَافَ أَنَّ هُنَاكَ مُفَاجَأَةً فِي إِعْدَادِ وَجْبَةِ العَشَاءِ، فَقَدْ جَلَبْنَا شَخْصًا يَنْتَمِي لِشَرْقِ السُّودَانِ، يُعِدُّ الشِّوَاءَ عَلَى رَمْلِ الشَّاطِئِ بِصَنْعَتِهِ المَعْرُوفَةِ.

أَثْنَاءَ جُلُوسِنَا عَلَى الطَّاوِلَةِ وَصَلَ زَمِيلِي الطَّبِيبُ وَمَعَهُ التَّاجِرُ عَلَى دَرَّاجَةٍ نَارِيَّةٍ مِنْ نَوْعِ «فِيسْبَا»، وَبَدَأَ هُجُومًا قَائِلًا:

- لَحْمَةُ الرَّأْسِ الَّتِي تَفَنَّنْتُ فِي إِعْدَادِهَا خَيْرٌ لَنَا مِنْ هَذَا العَشَاءِ!

ثُمَّ بَدَأَ الحَفْلُ الرَّاقِصُ وَتَنَاوُلُ الطَّعَامِ. 

فِي نِهَايَةِ الاِحْتِفَالِ تَوَجَّهْنَا مَعَ الفَتَاتَيْنِ إِلَى دَارِهِمَا عَلَى أَنْ يُوَصِّلَنَا السَّائِقُ إِلَى المِيزِ. 

وَقَبْلَ الوَدَاعِ قَدَّمَتَا دَعْوَةً لِحُضُورِ وَلِيمَةِ العَوْدَةِ مِنَ الحَجِّ، وَالمُدَّةُ الفَاصِلَةُ لِلْمَوْعِدِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ.

فِي طَرِيقِ العَوْدَةِ إِلَى المِيزِ صَعِدَ السَّائِقُ بِاتِّجَاهِ كُبْرِي الحُرِّيَّةِ. 

كَانَ مَنْظَرُ القَمَرِ بَدْرًا فِي الجِهَةِ الغَرْبِيَّةِ يُغَازِلُ نَجْمَاتٍ بَعِيدَةً، ويَطُوفُ بِذِهْنِي خَيَالُ القَمَرِ الأَرْضِيِّ فِي حَيِّ الضُّبَّاطِ، كَأَنَّهُ يُحَاكِي ذَلِكَ البَدْرَ المُعَلَّقَ فِي السَّمَاءِ، وَيُذَكِّرُنِي بِكُلِّ مَا مَضَى مِنْ لَحَظَاتٍ، وَالأَمَلُ يَتَسَلَّلُ مِنْ بَيْنِ خُيُوطِ الضَّوْءِ، فَيَجْعَلُ الطَّرِيقَ أَكْثَرَ رَحَابَةً وَالمُسْتَقْبَلَ أَقْرَبَ إِلَى الوُقُوعِ.


الإسكندريَّة ١٨ يونيو ٢٠٢٤م


#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9515
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.