تدوير جريمة " التشهير "
أذيع برنامج يتناول عادة أوروبية قديمة تعود إلى القرون الوسطى، تُعرف باسم "المُشهر" (The pillory). كانت هذه العقوبة تهدف إلى التشهير بالمذنب وإفقاده مكانته وشرفه بين الناس، حيث يُربط الشخص بعامود أو ما يشبهه، ويجتمع حوله سكان المدينة أو القرية لسبه ولعنه ورمي القاذورات عليه، مع الحرص على عدم التسبب له بأذى جسدي، إذ لم يكن محكومًا بعقوبة من نوع جسدي.
في كثير من الحالات، كانت نوعية القاذورات التي تُلقى عليه محددة مسبقًا في الحكم القضائي، بحيث تتناسب مع طبيعة الجريمة التي ارتكبها. استمرت هذه العقوبة حتى القرن التاسع عشر، وفي بعض الولايات الأمريكية إلى أوائل القرن العشرين.
مشاهدة برامج كهذه مفيدة وممتعة بما تقدمه من معلومات وتفاصيل عن الماضي، لكنها تتطلب من المشاهد صبرًا على ما يظهر من غرور بعض المعاصرين – وليس بالضرورة الغربيين فقط – الذين لا يكفون عن محاكمة التاريخ من خلال مفاهيم عصرهم (Anachronism) التي يتصورون أنها بديهيات، فيسعون بذلك إلى إظهار تفوق أخلاقي لا وجود له إلا في مخيلتهم. لذا اضطررت لتحمل 45 دقيقة من وصف عقوبة "المُشهر" بالهمجية وغير المتحضرة، مدعين أنها تنتهك "كرامة الإنسان". لكن ما كان أكثر صعوبة هو الصبر على تجاهل هؤلاء للواقع.
يفشل هؤلاء في رؤية أن عقوبة "المُشهر" ما زالت قائمة اليوم، بل ربما أصبحت أكثر انتشارًا. الفرق الوحيد هو الوسيلة؛ فبدلًا من ربط المذنب في ساحة عامة، يتم الآن التشهير به عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بهدف فضحه وتجريده من شرفه أمام الناس. بل إن النسخة الحديثة من العقوبة أكثر قسوة، إذ يمكن أن يشهد فضيحته الملايين، مما يجعل من المستحيل عليه الهروب إلى مدينة أو قرية أخرى كما كان يمكن في الماضي.
والأدهى من ذلك، أن هذا التشهير يتم في محاكم شعبية غوغائية تقام خلف الشاشات، لا في محاكم رسمية تطبق القانون على جرائم واضحة، مما قد يعني أن الشخص قد يكون بريئًا من التهمة التي قد لا تعد جريمة إلا في عيون الناس، ومع ذلك يفقد مكانته وشرفه وفي كثير من الأحيان وظيفته أو مصدر رزقه.
ما يفشل الكثير من المعاصرين في إدراكه هو أن البشر دائمًا يعيدون إنتاج نفس الهياكل الاجتماعية، وإن اختلفت طرق التعبير عنها. فالاختلاف يكمن فقط في المظهر الخارجي. لكن سطحية المعاصرين، المتأثرة بغرورهم، تمنعهم من رؤية الجوهر، فيظنون أن ما تغير هو الجوهر وليس الشكل. الأهم بالنسبة لهم في كثير من الأحيان هو المحافظة على نظافة أيديهم "حرفيًا"، وإبعاد كل ما قد يزعجهم بصريًا. فتجد أحدهم يرفض ذبح دجاجة في البيت أو المزرعة، ويعجز حتى عن مشاهدة ذلك بحجة أنه عمل همجي.
بينما يعتبر التصرف المتحضر في نظره هو أخذ الدجاجة جاهزة ومغلفة من مبردات المتاجر، ربما لأنه يتخيل المسالخ وكأنها صالونات تدليك، أو تجده يستنكر قتل عشرة أشخاص بالرصاص أو السيف، ويعده جريمة همجية لا تغتفر، بينما يعتبر إلقاء قنبلة بوزن 2000 كغ من طائرة تحلق ألاف الأقدام في السماء على منطقة مكتظة فتحول البشر إلى أشلاء محروقة مجرد "عنف مفرط"، ولا يرى أن ذلك يستحق نفس الإدانة، بل يستهجن حتى مجرد التفكير في ذلك، لأن المهم بالنسبة له هو أن يده لم تتسخ “حرفيا“.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك