الاستراتيجية الخفية بين إسرائيل وإيران، ومن يحق له تحديد شكل الشرق الأوسط للمائة سنة القادمة؟
إن معظم الناس لا يزالون يسيئون فهم طبيعة هذا الصراع لأنهم يتصورونه على أنه مجرد صراع كراهية بسيط، إسرائيل تكره إيران وإيران تكره إسرائيل وانتهى الأمر لكن هذه ليست الطريقة التي تفكر بها الدول، فالدول لا تبقى لعقود في مناطق معادية بالتصرف بعاطفه؛ بل تبقى بحساب القوة والبقاء والجغرافيا والتمركز الاستراتيجي على المدى البعيد وحين تفهم ذلك يبدأ المشهد بأكمله في التغيّر.
إيران لا تستيقظ كل صباح تفكر في تدمير إسرائيل، إيران تستيقظ كل صباح تفكر في البقاء هذا هو المبدأ الأول هنا البقاء وكل شيء آخر يأتي بعده إيران محاطة بقواعد عسكرية أمريكية في العراق وسوريا والخليج وافغانستان لسنوات وأساطيل بحرية في كل مكان وعقوبات اقتصادية واغتيالات وحرب سيبرانية وعمليات استخباراتيه النظام الإيراني يفهم جيدًا أنه في اللحظه التي يرتكب فيها خطأ استراتيجيا كارثيا فإن النظام بأكمله قد ينهار، لذا حين يتحدث الناس عن إيران وكأنها تنهج منهجًا غير عقلانيا اعتقد أنهم يسيئون فهم ما الذي يسمح للحكومات بالصمود تحت الضغط لكل هذا الوقت؟ والأمر نفسه ينطبق على إسرائيل، إسرائيل أيضًا تعرف تماما ما الذي يمكن أن تصبح عليه إيران إذا تركت دون رقابة.
إيران متقدمه تكنولوجيا وتمتلك قدرات نووية وتاثيرا إقليميا هائلا لهذا ستغير وبشكل دائم موازين القوى في الشرق الأوسط وإسرائيل تفهم ذلك أكثر من أي طرف آخر، إذن الهدف ليس بالضرورة هو الدمار إنما الهدف هو الإدارة والاحتواء والتاخير والضغط والإنهاك إبقاء إيران في حالة من عدم الاستقرار الكافي حتى تقضي طاقتها في البقاء بدلا من التوسع.

وهنا تصبح المحادثة أكبر بكثير من الدين لأن الناس يبسطون الصراع في الشرق الأوسط إلى كراهية قديمة سنة ضد شيعة ومسلمون ضد يهود وصراع حضارات، لكن الجيوسياسة تدور دائما تقريبا حول أنظمة القوة تحت اللغة الأيديولوجيه الدين مهم بالطبع لكن الدين يصبح أيضا الآلية التي من خلالها تنظم المصالح الاستراتيجية الأعمق وإذا أزيلت العاطفة الدينية من المعادلة للحظة واحدة ستدرك شيئا بالغ الأهمية إسرائيل وإيران كلتاهما تتصرفان بعقلانية وفقا لتصورهما الخاص للبقاء ما سمح لأمريكا بالتدخل إلى المشهد،لأنه بدون أمريكا تتغير المعادلة الإقليمية بأكملها فورًا.
التفوق العسكري الإسرائيلي مرتبط ارتباطًا عميقًا بالدعم المالي الأمريكي والدعم الاستخباراتي والحماية الدبلوماسية والتكامل التكنولوجي، إيران تفهم هذا تمامًا مما يعني أنه من المنظور الإيراني إسرائيل ليست مجرد إسرائيل ، إسرائيل هي البنية التشغيلية المتقدمة للنظام الأمريكي في الشرق الأوسط هذا التمييز يغير كل شيء لأنك حين تفهم ذلك تدرك أن الصراع ليس في جوهره عن أراض بل هو عن البنية الاقليمية من يحق له تحديد شكل الشرق الأوسط لل 100 سنة القادمة وأعتقد أن الناس يقللون من أهمية دول الخليج السعودية والإمارات وقطر هذه الدول ليست شخصيات ثانوية في هذه القصة إنها شخصيات محورية فيها ولا سيما الامارات لأن الامارات تمثل شيئا بالغ الخطورة من المنظور الإيراني .
الامارات تمثل نموذجا بديلا ناجحا للمنطقة ثري ومتحضر ومتصل بالعالم ومنفتح على رأس المال الغربي ويبني شبكات تجارية وسياحية وذكاء اصطناعي وتمويل وبنية تحتية الامارات تقدم فعليًا للعالم الاسلامي رؤية حضارية منافسة وهذا الأمر هو ثقل نفسي يفوق ما يتصوره الناس لأن المنافسة الأيديولوجيه تصبح أشد خطورة حين تأتي من مجتمعات تشترك في جذور ثقافية ودينية، إيران يمكنها تصوير إسرائيل على أنها غريبة وخارجية وغربية لكن دول الخليج مختلفة .
دول الخليج تثبت أن المجتمع المسلم يمكنه الاندماج في الاقتصاد العالمي دون تبني النموذج الثوري الذي تروج له إيران، وهذا من منظور طهران يخلق تهديدًا مباشرًا على التأثير الأيديولوجي الإيراني على المدى البعيد في المنطقة، لأن إيران تمول وكلاء في بلدان متعددة لبنان وسوريا والعراق واليمن ليس لأن إيران تحب الفوضى عشوائيا بل لأن العمق الاستراتيجي هو الطريقة التي تبقى بها القوى الأضعف في مواجهة التحالفات الأقوى فإذا كان بإمكان أعدائك محاصرتك تقليديًا فأنت تبني شبكات نفوذ تجبرهم على القتال بشكل غير متماثل .
هذا منطق جيوسياسي أساسي وإسرائيل تفهم هذا أيضا لهذا تستهدف إسرائيل باستمرار سلاسل التوريد والقادة وبرامج الصواريخ والبنية التحتية وطرق الاستخبارات الهدف ليس الانتصار الفوري الهدف هو التدهور التدريجي مع مرور الوقت ولهذا نرى أن الحرب الحديثة نفسها قد تغيرت بطرق مختلفة عن الحروب التي بدأت في القرن العشرين غزوات ضخمة وجيوش تعبر الحدود وأعلام تغرس .
لكن الصراع الحديث بات اقتصاديا وتكنولوجيا ومعلوماتيا ونفسيا في آن واحد يمكنك إضعاف بلد دون غزوه بالكامل يمكنك تدمير أنظمه الطاقة والمصارف والموانئ والبنية التحتية والشبكات الالكترونية وطرق الشحن يمكنك جعل الحياة الطبيعية مستحيلة دون احتلال الأرض تقنيًا ،ولهذا يكون الصراع بين إيران وإسرائيل بالغ الخطورة لأن كلا الجانبين يعملان داخل منظومة عولمة يتسع فيها الضغط فورا عبر الكوكب، فكر في النفط للحظة اذا اندلعت حرب إقليمية مباشرة بجدية فإن أسواق الطاقة ستنفجر بين عشية وضحاها .
تكاليف التأمين على الشحن عبر مضيق هرمز ستقفز الاقتصادات الأوروبيه ستتضرر فورًا التصنيع الأسيوي سيتضرر فورا التضخم سيرتفع عالميا أسعار الغذاء ستزيد الحكومات يتزعزع استقرارها كذلك الأسواق المالية ولهذا يراقب العالم كل ضربة صاروخية بعصبية حادة لأن الجميع يفهم أن التصعيد الإقليمي قد يؤدي إلى عواقب اقتصادية عالمية في غضون أيام لكن تحت كل ذلك شيء أكبر حجما النظام العالمي نفسه بات يتزعزع استقراره وأعتقد أن هذه هي الاستراتيجية الخفية الحقيقية التي يفشل الناس في رؤيتها إسرائيل وإيران كلتاهما تعملان في فترة لا يبدو فيها الهيمنة الأمريكية مطلقة بعد الآن .
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك