"عالم كورة كورة"..النص المسرحي حينما يستشرف المستقبل ويتجاوب مع متغيراتها
يجسد اختيار الدكتور" جمال عبد المقصود" لعنوان مسرحيته " عالم كورة كورة" نظرته للحياة بأسرها، وليس العالم الكروي فقط؛ فاختفاء التعريف في عنوانه يشير إلى الوصف وليس التحديد، من ثم فإنه يدير العلاقات بين شخوص مسرحيته في إطار من هذا الفهم العام لتلك الصفات التي تأخذ من هذا العالم وتصب في معين الحياة باختلاف نواحيها؛ فالحب والثقافة وحتى العلم، جوانب أصبحت قابلة لأن تدار وفق منطق "الكورة"، وهو ما يتضح بشكل كبير في الفصول الثلاثة للمسرحية، التي يركز فيها الكاتب بشكل كبير على "الأسرة" باعتبارها النواة المصغرة للمجتمع، وأحد أهم مكوناته، وكيف انسحبت ملامح "التعصب" الكروي على نمط التفكير الذي يحكم أفرادها.
ولأن الفكر هو المنطلق والمحرك في مسرحية "عالم كورة كورة"، فإن تجسيد متغيراته يظهر بوضوح في المشهد الافتتاحي للمسرحية، متخذا من "التليفزيون" رمزا للأداة الإعلامية التي تسهم بشكل كبير في ترسيخ نمط تفكير بعينه، ليصبح أسلوب حياة داخل المجتمع؛ لذا، فإن الكاتب يوظف "الصوت" كأداة درامية متحررة من الزمن، ليؤكد من خلالها أن هذا النمط قابل للتكرار في أي زمن بخلاف زمن النص، وأن ما يتشكل في لحظة الحاضر، قابل للنمو بشكل مرعب مع سيطرة أدوات أخرى تأتي لاحقة للتليفزيون في إنتاج نمط التفكير هذا والتأكيد عليه عبر تنويعات مختلفة، وهو مانراه في الجملة الحوارية التأسيسية التي وضعها على لسان "المذيعة"، ليقدم بشكل كاريكاتيري صورة من صور الخطاب التي تحكم الذهنية الجمعية، وتأخذها بعيدا عن الهدف الذي من أجله وجدت المجتمعات، فنراها تقول:
" الساعة 3 هننتقل إلى إذاعة خارجية لنقل مباراة كرة القدم الودية بين فريقي سوق السمك ومدرسة التواضع الابتدائية.
الساعة 6 مراقبة البرامج المحلية هتقدم جولة اعرف بلدك وهتكون في ستاد القاهرة.
الساعة 7 مع البرامج السياسية وحلقة عن التقارب العربي بعد المنعطف التاريخي لمباريات كأس فلسطين. أما البرامج الثقافية فهتقدم ندوة عن فلسفة طريقة الظهير التالت. أما سهرتنا الليلة فمع فيلم 4-3-4".
إن توظيف "الصوت" كأداة درامية تأسيسية لدى "جمال عبد المقصود" استطاع أن يؤدي عدة مهام مكّنته من الوصول إلى هدفه: الأولي، هي توسيع المدى الزمني لخطابه ليتجاوز اللحظة الحاضرة، ويتيح رحابة التجاوب مع ما تأتي به الأزمنة الأخرى من متغيرات. ومن جهة ثانية، التكثيف لما سيأتي تفصيله في مشاهد المسرحية، وصولا إلى الهدف العام منها. وثالث هذه المهام التي استطاعت الجملة الحوارية التأكيد عليه من خلال الصوت الدرامي المتحرر من زمنه، هو الانسجام الدلالي مع العنوان، الذي لا يتحدث عن عالم الكورة، بما يقتضيه هذا التعريف من التطرق إلى فنياتها، وإنما "فكر الكورة" الذي يحكم جوانب الحياة المختلفة، وهو ما كان بمثابة التمهيد الجيد الذي مكّن الكاتب من طرح نقاط الضعف التي تعترى المجتمعات وتسهم في تراجعها، وذلك عبر بوابة اللعبة الأشهر لدى الشعوب على اختلافها وهي "كرة القدم".
وجمال عبد المقصود، الذي اختار "لعبة الكرة" ليكشف من خلالها " لعبة الحياة" بأكملها، اختار أن يكون "البيت" مكانا دراميا يكشف عن طبيعة العلاقات التي تربط الأفراد بعضهم البعض، على صعيد الداخل الذي يشكل علاقة الأب والأم " مرعي وخديجة" والبنتين" سامية ومنى"، والخارج الذي يمثله" كامل وعباس" في علاقة الارتباط بينهما وبين "سامية ومنى". أما "مدحت"، ابن الخالة، المثقف فهو يمثل وجها آخر من تلك العلاقة التي تربط مجتمع الداخل بالخارج، تماما مثلما نجد في شخصية "وليام بنج" المستشرق العالمي، الذي يشكل وجوده على تلك المساحة المكانية تجسيدا لفكرة التلاقي بين الحضارات وإلى أي حد يمكن التحقق من وجودها الفاعل بين الشعوب.

وهذه الثنائيات التي صاغ "جمال عبد المقصود" طبيعة العلاقات التي تربطها، تمثل شرائح مجتمعية تتضافر فيما بينهما لتكوين الشكل العام للمجتمع، من ثم فإن الكشف عن خصائص كل شريحة هو بمثابة التشخيص الدقيق لعلات هذا المجتمع، والتنويه بمواطن الضعف فيها عبر اختبار تلك العلاقات. وقد اختار "جمال عبد المقصود" الكوميديا مدخلا مناسبا لتناول السلوك المجتمعي لكل شريحة، وهو في إمعانه في تقديم كوميديا نابعة من الحوار يؤمن بوظيفة " الضحك" التي تتجاوز الدلالة النفسية إلى أخرى اجتماعية تجعل المتلقي شريكا في تقويم تلك الاعوجاجات التي من الممكن أن تطرأ على السلوك البشري؛ لذا فإنه حين يقدم "صورة المثقف" بشكل مبالغ فيه في أداء" عباس" رئيس رابطة مشجعي نادي الزمالك، الذي يرى أن دوره يفوق دور هذا المثقف المنعزل عن مجتمعه بكثير، فإنه لا يهدف من وراء تلك المبالغة إلى التقليل من هذا الدور، بل يضع عدسة مكبرة على التفاصيل التي تحكم رؤية المجتمع له، وتجعل دوره أقل فعالية فيما يحدث حوله. كما أن التوظيف الدلالي المزدوج لطبيعة الدور الذي تقوم به الشخصيات، يكشف بقوة عن أسباب التراجع التي تطال نواحي الحياة المختلفة؛ فـ"عباس" الذي يقدمه النص المسرحي على أنه "رئيس رابطة مشجعي نادي الزمالك"، يبدي ترحيبه للتخلي عن هذا الدور كي يحظى بقلب "منى"، ويعدها بأن يعود لها بعد ساعات " مثقفا"!!، و" مدحت" ابن خالتها المثقف الذي أحبته لثقافته، يتظاهر بأنه "مشجع كرة" ويحشد كل طاقته لجمع كل المؤلفات التي تتحدث عن أبطالها كي يستعيدها من "عباس"، وحتى المستشرق العالمي "وليام بنج" الذي قطع مسافات طويلة من بلاده ليشارك في ندوة تثقيفية بعد مشقة التواصل معه، تأخذه أجواء التشجيع، ويسعى بكل طاقته لأن يحظى بتوقيع على "أتوجراف" من "كابتن الخطيب"، كما يكشف الحوار عن عدم معرفته برموز الأدب المصري"نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم..الخ، فضلا عن أن رؤيته لقضايا الأدب لا تمتلك أى أرضية في فكره، على النحو الذي نراه في الجملة الحوارية على لسانه: "موضوع الأدب مش مهم ..المهم طريقة تقديم الموضوع..المؤلفين لازم ينشغلوا بالجديد زي معجون سنان يضرب على معجون قديم.. ليه ما نعملش مسرح من غير مسرح؟ ليه القصة يبقى فيها قصة؟ وبعدين تطلع مدرسة جديدة ونقعد نتفق ونختلف عليها".
إن "اللغة" و" الحوار" أداتان للكشف الدرامي عن طبيعة الأزمة التي يعيشها المجتمع، استطاع "جمال عبد المقصود" توظيفهما بشكل خلاق داخل هذه المسرحية، لينفذ إلى عمق الظاهر الذي يمارسه الأفراد ممارسة شكلية لا تستند إلى إيمان حقيقي بأي قضية، بل إن الانسياق خلف القطيع هو السمة التي تحرك المجموع، والتعصب للشكل دون الجوهر هو الذي يشكل القيمة في حياة المجتمعات الحديثة، لا يختلف في ذلك المثقف عن غيره من شرائح المجتمع، والكل خاضع لتلك الممارسات، تماما كما يحدث في "كرة القدم"، وتلك هي الآفة التي تمنع مسيرة التقدم. وعلى الرغم من أن نص "عالم كورة كورة" كتب في ثمانينيات القرن الماضي، وعُرض على مسارح مختلفة لجمهور كانت حياته أبسط من الحياة الراهنة، فإنه استشرف مبكرا طبيعة اللحظة الراهنة بكل تعقيداتها، وما يمكن أن ينفتح عليها من مسارات أخرى، فالكاتب يناقش فكرا يحكم المجموع لا طقسا يرتبط بزمنه وينقضي أثره، وهو ما يجعل نص "عالم كورة كورة" جديرا بقراءة متجددة، ونموذجا لكوميديا راقية تدق جرس إنذار للمجتمع، ولا تهبط به إلى مسارات الابتذال.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك