سلسلة مطاعم "مروش" اللبنانية تُعلن الإفلاس وتبدأ التصفية.. بعد 47 عاماً في لندن
مطعم "مروش" اللبناني في لندن.. نهاية أسطورة الكبة والحمص بعد 45 عاماً من الازدهار
أعلنت مجموعة "مروش" للمطاعم اللبنانية، إحدى أعرق العلامات الغذائية العربية في العاصمة البريطانية، دخولها رسمياً في مرحلة الإدارة القضائية، في خطوة تُوصد بها أبواباً ظلت مفتوحة لأكثر من أربعة عقود في وجه محبي المطبخ اللبناني الأصيل من لندن وسائر أنحاء العالم.
جاء الإعلان في لحظة بالغة الدلالة: لا حروب ضربت الشوارع المحيطة بمطاعمها، ولا كوارث طبيعية أسقطت جدرانها، بل كانت الضربة القاضية من صنع اقتصاد متقلب وضغوط تشغيلية متراكمة، أثبتت أنها أشد فتكاً من أي أزمة خارجية.
التأسيس في ظل الحرب.. والنهاية في زمن السلم
في عام 1981، وفي خضم الحرب الأهلية اللبنانية المشتعلة، غادر الزوجان اللبنانيان مروف وهودا أبو زكي بيروت المنهكة باتجاه لندن، حاملين في أمتعتهم وصفات جدات الشوف ومكاحل الشرق، ليفتحا أول مطعم "مروش" على شارع إيدجوير رود، في قلب المنطقة التي سيُطلق عليها لاحقاً "بيروت لندن".
سعى الزوجان إلى تقديم المطبخ اللبناني الأصيل وروحه الضيافية للمتذوقين البريطانيين، في حقبة كانت المطابخ الدولية تشق فيها طريقها لأول مرة إلى الموائد الإنجليزية. ولم يكن الأمر مجرد مطعم آخر يُقدم الحمص والمشاوي؛ كان "مروش" رسالةً حضارية تقول إن بيروت لم تمت، وإن طعامها يتجاوز حدود الجغرافيا.
نمت المجموعة لتغدو واحدة من أعرق التجمعات المطعمية في لندن، تستقطب قاعدة عريضة من الزبائن العرب والبريطانيين على حد سواء، وتنال إشادات النقاد الغذائيين جيلاً بعد جيل.
مملكة الطعام على إيدجوير رود
تحول المطعم الأول على شارع إيدجوير رود إلى قبلة للزوار وأحد أبرز وجهات المطبخ الشرق أوسطي في العاصمة، بقدرة استيعابية تتجاوز 150 ضيفاً موزعين على طابقين، وأجواء تفيض بالحياة والموسيقى اللبنانية الحية وعروض رقص البطن التي تمتد حتى ساعات الفجر الأولى.
توسعت المجموعة لاحقاً لتضم فروعاً في نايتسبريدج وإيرلز كورت وسانت جونز وود وماربل آرش ، وبات اسمها مرادفاً للضيافة اللبنانية الرفيعة في لندن، يتداوله العرب المقيمون والسياح القادمون على حد سواء.
قرار المحكمة.. 12 يونيو 2026
في الثاني عشر من يونيو 2026، صدر قرار من محكمة العدل العليا البريطانية بوضع "مروش جروب ليمتد" تحت الإدارة القضائية، ليُنشر الإعلان الرسمي في جريدة لندن الرسمية "ذا لندن غازيت".
وعُيِّن المحاسبان القانونيان نيك بارسك وكاري جيمس من شركة "أوري كلارك" للمحاسبة القانونية مُديريَن مشتركين للإشراف على إجراءات التصفية وإدارة شؤون الشركة.
تمارس الشركة نشاطها في قطاع المطاعم المرخصة، ويقع مقرها المسجل في سلاو، فيما تتمركز عملياتها التجارية الرئيسية في شمال غرب لندن.
قطاع الضيافة البريطاني تحت الضغط
لا تقف قصة "مروش" منفردةً في مشهد الأزمة؛ فهي جزء من موجة عاتية تجتاح قطاع الضيافة في المملكة المتحدة.
تأتي إشعارات الإدارة القضائية في خضم قلق متصاعد داخل القطاع إزاء ارتفاع التكاليف التشغيلية وشُح اليد العاملة وتراجع الإنفاق الاستهلاكي، إذ كشفت البيانات المالية أن المجموعة تعاني ضغوطاً متراكمة وتصاعداً في التكاليف على مدار سنوات.
تكاليف الإيجارات في لندن التي تواصل صعودها بلا توقف، والحد الأدنى للأجور الذي رفعته الحكومة البريطانية مرات متعاقبة، وتداعيات جائحة كوفيد التي أجهزت على احتياطيات عديدة من قطاع الخدمات، وتراجع حركة السياحة العربية في مراحل معينة، كل هذه عوامل رسمت مجتمعةً بيئةً قاسيةً حتى على الأكثر رسوخاً.
أكثر من مجرد مطعم
لمن يعرف إيدجوير رود، لا يمكن اختزال "مروش" في قوائم طعام وأطباق مزة؛ فقد كان المكان صالةً غير رسمية لتلاقي الدبلوماسيين والتجار والطلاب وعائلات الجاليات العربية، ومرساةً لهوية ثقافية ظلت تقاوم الذوبان في الضباب اللندني عقوداً متتالية. كان الحمص فيه برهاناً على الصمود، والكبة شاهدةً على الهوية، والأرجيلة دخاناً يرسم خرائط الحنين فوق الطاولات.
كانت شعار المجموعة الذي حملته لسنوات: أن تأتي بقلب بيروت إلى لندن، وأن تجعل رواد مطاعمها يغمضون أعينهم ليحسوا أنهم في قلب العاصمة اللبنانية.
وقد أوفت طويلاً بهذا الوعد، قبل أن تصطدم بجدار الأرقام الأشد وطأةً من كل الحنين.
يُسدل انهيار "مروش" الستارة على حقبة كاملة من التاريخ العربي في لندن، ويطرح تساؤلات مشروعة حول مصير مؤسسات الجاليات الثقافية في مواجهة بيئات اقتصادية لا تميز بين الرمز والبضاعة. قد تنتهي المجموعة بالبيع أو إعادة الهيكلة أو التصفية الكاملة، لكن ما لن ينتهي هو ذاك الشعور الغريب الذي يعتري كل عربي مر ذات ليلة بشارع إيدجوير رود وشم رائحة الشاورما وسمع عود يعزف في الخلفية: شعور أن ثمة بيتاً صغيراً لبنانياً بقي في قلب لندن الرمادية، وأن الحرب التي أخرجت مؤسسيه من بيروت لم تنتصر أبداً. حتى الآن.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك