من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

هل صحيح أن الخوارزميات لا تجامل أحدا ؟

القاهرة : خالد شحاتة
هل صحيح أن الخوارزميات لا تجامل أحدا ؟

الخوارزميات تكتب قواعد الظهور: لماذا يضعف تفاعل الحسابات الكبرى على المنصات؟


تبدو المفارقة صارخة: حسابات تمتلك ملايين المتابعين، مثل Foreign Policy، قد تنشر محتوى عالي القيمة ثم تواجه تفاعلًا ضعيفًا لا يعكس حجم جمهورها. وهذه الظاهرة لا تُفسَّر دائمًا بضعف المحتوى أو فتور الاهتمام العام، بل ترتبط بدرجة أكبر بمنطق الخوارزميات التي تحدد ما يظهر للمستخدمين وما يظل متواريا 


لم تعد المنصات الرقمية تعمل كمساحات عرض متساوية للجميع؛ إذ باتت الخوارزميات تفضّل المحتوى الذي يحقق تفاعلًا أعلى أو يتوافق مع سلوك المستخدم السابق، ما يحدّ من وصول كثير من المواد الجادة حتى لو كانت صادرة عن مؤسسات إعلامية مرموقة.

وتشير مصادر بحثية إلى أن هذه الآليات أصبحت عنصرًا رئيسيًا في تشكيل النقاش العام وتوجيه الاهتمام الجماهيري. 

ويعني ذلك أن حجم المتابعين لم يعد ضمانًا كافيًا للوصول الفعلي؛ فالمعيار الحاسم صار قدرة المنشور على اجتذاب النقرات والمشاركات والتعليقات في لحظته الأولى. ووفقًا لما تطرحه دراسات حول الخوارزميات، فإن التفاعل الجماهيري نفسه يصبح عاملًا يعزز ظهور المحتوى الأكثر تداولًا، بينما يتراجع حضور المحتوى الأقل إثارة أو الأبطأ انتشارًا. 


الأمر لا يقتصر على السياسة وحدها. فكما يمكن أن تتراجع منشورات المجلات السياسية رغم وزنها التحريري، قد تواجه الحسابات الرياضية العالمية المشكلة نفسها، لأن المنصات لا توزع الظهور على أساس المكانة المؤسسية، بل على أساس تفضيلات المستخدمين وأنماط التفاعل اللحظي. وهذا يفسر كيف يمكن لمحتوى مهم أن يظل محدود الانتشار إذا لم يخدم منطق الخوارزمية. 


وتشير أبحاث حديثة إلى أن الخوارزميات لا تكتفي بترتيب المحتوى، بل تسهم أيضًا في إعادة تشكيل المجال العام عبر تخصيص ما يراه كل مستخدم، الأمر الذي قد يخلق “فقاعات معلوماتية” ويقلّص التنوع في الآراء المعروضة. كما أن الاعتماد المتزايد على المنصات للحصول على الأخبار السياسية يعزز من تأثير هذا التخصيص على الوعي العام. 


وفي السياق ذاته، تظهر نتائج دراسات متخصصة أن الخوارزميات قد تدفع إلى ترسيخ المحتوى الأكثر شيوعًا وتداولًا، بينما تحد من فرص وصول المواد الصحفية المتخصصة أو التحليلية إلى جمهور واسع. كما أن بعض الدراسات تربط بين أنظمة الترتيب الخوارزمي وبين زيادة معدلات التفاعل، لكنها تشير أيضًا إلى آثار جانبية على توجهات الجمهور ونوعية المحتوى المتصدر. 


هذا التحول يطرح سؤالًا أوسع من مجرد ضعف التفاعل: هل ما زالت قيمة المحتوى وحدها كافية في بيئة رقمية تحكمها معايير غير شفافة؟ وتشير الأدبيات البحثية إلى أن الإجابة أصبحت أقرب إلى النفي، لأن الظهور نفسه صار خاضعًا لمعادلات تقنية لا يراها المستخدم، لكنها تتحكم فعليًا في حركة المعلومات وانتشارها. 

وتكشف هذه المفارقة أن التحدي لم يعد في إنتاج المحتوى فقط، بل في القدرة على اختراق البنية الخوارزمية للمنصات، وهي بنية تعيد توزيع الانتباه بصورة قد لا تعكس بالضرورة الجودة أو الأهمية العامة. ومن هنا، يصبح التفاعل الضعيف مع حسابات كبرى مثل Foreign Policy مؤشرًا على أزمة أعمق في اقتصاد الانتباه الرقمي، لا على تراجع القيمة التحريرية وحدها.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9602
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.