من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

​زلزال سياسي في "أمريكا اللاتينية": اليمين الصاعد يعيد رسم الخرائط..

خالد بيومي
​زلزال سياسي في


 انتخابات أكتوبر البرازيلية تحسم صراع الهوية والتحالفات الدولية


​بين عامي 2023 و2026، يبدو أن الجغرافيا السياسية لأمريكا الجنوبية قد قُلبت رأسًا على عقب، فبعد أن هيمنت "الموجة الوردية" الثانية لليسار على مقاليد الحكم في غالبية دول القارة مع مطلع العقد الحالي، تظهر الخرائط السياسية المعاصرة تحولاً جذرياً نحو اللون الأزرق؛ حيث يزحف اليمين المحافظ والنيوليبرالي مستعيداً نفوذه في معاقل كانت تُحسب حتى وقت قريب "حصوناً منيعة" لليسار اللاتيني.

​هذا التحول، الذي لا تقتصر آثاره على الاقتصاد والسياسة المحلية، يعيد صياغة العلاقات الدولية للقارة؛ لا سيما مع الصعود القوي لتيارات يمينية تبدي ولاءً غير مسبوق لإسرائيل وحلفائها الغربيين، في قطيعة حادة مع أدبيات اليسار اللاتيني التاريخية الداعمة للقضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

​الخريطة تتكلم: انحسار "الموجة الوردية" وصعود اليمين المتطرف 


​تُظهر المقارنة الواقعية للمشهد السياسي بين عام 2023 واليوم (كما يتضح في الخريطتين المرفقتين)، كيف تآكل الحزام اليساري (باللون الأحمر) الذي كان يطوق القارة.

​عام 2023: كانت الأغلبية الساحقة من العواصم اللاتينية (بوغوتا، ليما، لاباز، سانتياغو، وبوينس آيرس) تُدار بواسطة حكومات اشتراكية أو تقدمية، في مشهد جسّد ذروة الصعود اليساري بقيادة البرازيل.

​المشهد الحالي: تمدد اللون الأزرق (اليمين) ليجتاح الأرجنتين، والبيرو، وبوليفيا، وكولومبيا. هذا المدّ اليميني لم يغير طبيعة الإدارة الداخلية لهذه الدول فحسب، بل أحدث انقلاباً في عقيدتها الدبلوماسية، مدفوعاً بتبني سياسات أمنية واقتصادية متشددة، وانحياز كامل للمحور الغربي-الإسرائيلي في المحافل الدولية.

​محور "تلافيف" وتحالفات تل أبيب الجديدة

​يتميز صعود اليمين الحالي في أمريكا الجنوبية بخصوصية أيديولوجية واضحة؛ إذ لم يعد الأمر مجرد خلاف حول إدارة عجلة الاقتصاد، بل تحول إلى "خيار عقائدي" يربط بوضوح بين النيوليبرالية الاقتصادية والتحالف الدبلوماسي والأمني مع إسرائيل.

​فمنذ وصول تيارات اليمين المتطرف والشعبوي إلى سدة الحكم في دول محورية كالأرجنتين (وتمدد النفوذ المحافظ في كولومبيا وبيرو)، شهدت السياسات الخارجية لهذه الدول تحولات دراماتيكية شملت:

​التصويت في الأمم المتحدة: التراجع عن دعم القرارات الأممية المقترحة من المجموعات العربية والإسلامية لوقف الحرب في غزة.

​التعاون الأمني والتكنولوجي: فتح الأبواب أمام استيراد تقنيات الأمن والذكاء الاصطناعي الإسرائيلي لمواجهة الجريمة المنظمة، وهي الورقة الرابحة التي يوظفها اليمين لكسب الشارع.

​أكتوبر البرازيلي: المعركة الأخيرة في القارة

​وسط هذا الطوفان الأزرق، تقف البرازيل كآخر القلاع الكبرى لليسار في القارة. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية العامة المقررة في الرابع من أكتوبر القادم، تتجه أنظار العالم إلى "برازيليا" لمعرفة ما إذا كانت البلاد ستصمد في وجه المد اليميني، أم أنها ستسقط لتكتمل لوحة الهيمنة اليمينية في الجنوب.

​الخيارات الصعبة في صناديق الاقتراع:

​لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (اليسار): يسعى الرئيس الحالي البالغ من العمر 80 عاماً إلى الفوز بولاية رابعة تاريخية. يمثل لولا صمام الأمان لـ "بريكس" وللعمل المشترك في الجنوب العالمي، وهو الذي قاد جبهة دبلومسية شرسة ضد السياسات الإسرائيلية في غزة، وقطع العلاقات أو خفّضها إلى مستويات دنيا. لكن لولا يواجه تحديات داخلية صعبة وتراجعاً في شعبيته نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتأرجحة.

​فلافيو بولسونارو (اليمين المتطرف): بعد الحكم بعدم أهلية الرئيس السابق جايير بولسونارو وسجنه، يتصدر نجله، السيناتور "فلافيو بولسونارو"، مشهد المعارضة ممثلاً للحزب الليبرالي (PL). يحمل بولسونارو الابن راية "اليمين الإنجيلي والمحافظ"، ويحظى بدعم هائل من قطاعات الأعمال والشرائح الدينية الإنجيلية التي تطالب بعودة التنسيق الاستراتيجي الكامل مع تل أبيب وواشنطن، في تكرار لسياسات والده الذي كان قد وعد بنقل سفارة البرازيل إلى القدس.

 الانتخابات البرازيلية التي ستجرى في أكتوبر القادم ليست مجرد شأن داخلي؛ بل هي معركة حاسمة لتحديد توازن القوى العالمي.

​إذا نجح اليمين الموالي لإسرائيل في إسقاط "لولا دا سيلفا" واستعادة البرازيل، فإن القارة اللاتينية ستتحول بالكامل إلى بيئة جيوسياسية طاردة للمصالح والقضايا العربية، ومؤيدة للمحور الغربي الإسرائيلي بلا قيود. أما إذا نجحت البرازيل في الحفاظ على لونها الأحمر في الخريطة، فإنها ستظل حجر الزاوية الذي يمنع الانهيار الكامل لسياسات "الجنوب العالمي" المستقلة.

​الصناديق في أكتوبر لن تحدد فقط هوية ساكن قصر "بلانالتو"، بل ستحدد وجه القارة بأكملها لسنوات قادمة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9604
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.