من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

السفر في زمن الحرب… وخذلان «إيجيبت إير»

د. اقبال العثيمين _ كاتبة من الكويت
السفر في زمن الحرب… وخذلان «إيجيبت إير»



لم يعد السفر في هذه الفترة من الكويت رفاهية متاحة كما كان في السابق؛ فقد تحوّل إلى رحلة محفوفة بالقلق والمشقة بعد أن تعرّض المطار لضربات متكررة ودمار متجدد، ما جعل المغادرة جوًّا شبه مستحيلة.

أمام هذا الواقع، اتخذت قراري بالسفر برًّا إلى الدمام، على أمل زيارة والدتي —أطال الله في عمرها— ثم الانطلاق منها في رحلتي السنوية المعتادة إلى منتجع بشتيني الصحي في سلوفاكيا.

منذ اندلاع الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية، ونحن نعيش تداعياتها يومًا بعد يوم. فكلما تعرّضت إيران لضربات إسرائيلية، امتدت ردودها إلى منطقة الخليج، لتجد المطارات نفسها في دائرة الخطر؛ تُدمَّر ثم تُصلح، وتعود الحركة إليها قبل أن تتجدد الأزمة من جديد.

وسط هذه الأجواء، كان أصعب ما في المشهد هو حال من فرضت عليهم الظروف السفر للعلاج أو العمل، أو أولئك الذين وجدوا أنفسهم عالقين في الكويت خلال إجازاتهم، ومن بينهم طلبة يدرسون خارج البلاد. تحوّل السفر إلى معادلة معقدة: رحلة برية إلى أحد مطارات السعودية، ثم محاولة إعادة ترتيب الحياة من هناك.


كنت أرغب في إكمال رحلتي المعتادة إلى منتجع بشتيني الصحي، الوجهة التي يعرفها كثير من الكويتيين ويقصدونها للعلاج والاستشفاء. وبما أن الرحلات الجوية من الكويت كانت متوقفة، توجهت إلى الدمام، حيث ساعدتني صديقتي المصرية —رفيقة دربي في السفر— في حجز رحلة على طيران «إيجيبت إير» إلى فيينا، ومنها تنقلنا سيارة خاصة إلى سلوفاكيا.

بدأت القصة في مطار الدمام حين سألني موظف شركة الطيران:

“وجهتك النهائية فيينا؟”

أجبته: نعم.

وهنا،
“انتهى الحلم الجميل… وابتدأ الدم الثقيل.” .. قصيدة لاحمد نجم.

فالمفاجأة الأولى كانت أن السؤال لم يكن مجرد إجراء روتيني، بل بدا وكأنه بداية سلسلة من المفارقات. فالوجهة النهائية التي كان ينبغي تسجيلها وفق خط سير الرحلة أصبحت سببًا في ارتباك لم أتوقعه.

وصلت إلى مطار القاهرة وانتظرت حقيبتي أمام سير الأمتعة حتى توقف تمامًا، لكنها لم تصل. وبعد قرابة ساعتين من الانتظار، توجهت إلى مكتب الاستفسارات، لتأتيني الإجابة بكل بساطة:

الحقيبة في فيينا!

كانت كل احتياجاتي داخلها، وكانت لدي التزامات في تلك الليلة. تجاوزت الأمر بصعوبة، ورتبت أموري مؤقتًا على أمل أن تكون بقية الرحلة أكثر سهولة.

في صباح اليوم التالي، توجهنا إلى مطار القاهرة استعدادًا للسفر. وصلنا مبكرًا وأنهينا إجراءات السفر، لكننا سرعان ما اكتشفنا ضخامة المطار؛ فبوابة المغادرة كانت في مبنى آخر، والمسافات طويلة، ما اضطرنا للاستعانة بعربة النقل الداخلية.

تعاطف معنا السائق بعد أن رأى الإرهاق على وجوهنا، واتصل بزميل له في المبنى الآخر طالبًا تجهيز كراسي متحركة لمساعدتنا في الوصول إلى البوابة.

وصلنا إلى المكان المحدد، وكان في استقبالنا موظف بالكراسي المتحركة. شعرت بالإرهاق وقتها فجلست، ووجدت نفسي ضمن مجموعة أخرى من المسافرين: قسّيس على كرسي متحرك يرافقه قسّيس آخر، وسيدة محجبة على كرسي متحرك برفقة زوجها. كنا ستة ركاب ننتظر الصعود إلى الطائرة. تم

نُقلنا بواسطة الحافلة الهيدروليكية المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، وهي مركبة يفترض أن تكون مجهزة للوصول إلى باب الطائرة. لكن المفاجأة أنها كانت في حالة سيئة للغاية. تعطلت أمامنا مرات متتالية، وبقي السائق يحاول تشغيلها قرابة ربع ساعة دون جدوى، قبل أن يحضروا لنا حافلة أخرى.

وصلنا أخيرًا إلى الطائرة، وطلب الموظف بطاقات الصعود. ثم نزل إلى أرض المطار، وبدأ يلوّح بالبطاقات باتجاه قمرة القيادة، مشيرًا إلينا بأننا ركاب لم نصعد بعد.

وقفنا في الحافلة نتابع المشهد بذهول.

الطيار ينظر إلى الموظف… ثم ينظر إلينا… وبدأت بعدها الطائرة بالتحرك بالرغم من تلويحات الموظف للطيار المستمرة. 

طارت الطائرة أمام أعيننا… وبأمتعتنا!!


عدنا إلى صالة المطار ونحن في حالة لا يمكن وصفها. لم نجد أحدًا يقدم تفسيرًا واضحًا. وكل ما حصلنا عليه من إجابات كان عبارة واحدة:

“نحن نعمل على الموضوع.”

ومع مرور الوقت، تحوّل الانتظار إلى ضغط نفسي كبير. سألت صديقتي بانفعال:

كيف تقلع طائرة وقائدها يرى أمامه ستة ركاب على كراسٍ متحركة؟ وكيف تغادر الطائرة بأمتعتنا دوننا؟

كان المشهد يتجاوز مجرد تأخير رحلة؛ كان إحساسًا قاسيًا بأن الإنسان يتحول إلى رقم في نظام لا يراه.

عندما قامت صديقتي بتوثيق ما حدث ونشر المقاطع عبر صفحتها في فيسبوك، وبحكم علاقاتها الواسعة في مصر، تحركت الأمور سريعًا. حضرت مديرة العلاقات العامة إلى القاعة، وتمت إعادة ترتيب رحلتنا على خط جوي آخر في اليوم نفسه.

لكن الحادثة تركت سؤالًا أكبر من مجرد رحلة فائتة.

فمشكلات التأخير وسوء التعامل مع الركاب ليست مجرد أخطاء تشغيلية؛ بل هي اختبار حقيقي لاحترام المسافر. فالراكب لا يدفع ثمن تذكرة فقط، بل يضع بين يدي شركة الطيران وقته، وارتباطاته، وصحته، وراحة باله.

والمفارقة أن شركات الطيران تكون دقيقة جدًا في تحصيل الرسوم الإضافية؛ من اختيار المقعد إلى وزن الحقيبة، لكنها حين يقع الخطأ من جانبها، يصبح الحصول على اعتذار أو تعويض عادل معركة أخرى.

إن احترام المسافر ليس خدمة تكميلية، بل هو أساس صناعة الطيران. فالراكب ليس حقيبة تُشحن، ولا رقمًا في قائمة انتظار، بل هو الإنسان الذي تقوم هذه الصناعة من أجله.

ويبقى الأمل أن تضع الجهات الرقابية في مصر معايير أكثر صرامة تضمن حقوق المسافرين، وأن تدرك شركات الطيران أن الثقة تُبنى في لحظة، لكنها قد تضيع في رحلة واحدة.


رقم الرحلة: MS 797

يوم ٥ يونيو ٢٠٢٦


#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9605
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.