رؤية ذائقية لقصة "الراعي " للأديب هشام العطار
حيث لا يُصبح المرض سوى ستار لسؤال أعمق عن الفقد والحب وما يبقى للإنسان عندما تتساقط ادواره الإجتماعية والمهنية تنطلق قصة الراعي.
لقد اعتمد الأديب هشام العطار على تقنية الفلاش باك بوصفها اداة رئيسية لبناء الشخصية وكشف ماضيها ، لقد نجحت التقنية لمنح النهاية عمقًا عاطفيًا ، فالقارئ لا يواجه موت رجل مجهول ، بل موت أب وجد حمل أعباء الآخرين طوال حياته ، إلا أن بعض الاسترجاعات بدت احيانًا متداخلة ، إذ ينتقل النص من حاضر السر إلى استرجاع أول ، ثم استرجاع ثان داخل البناء نفسه وهو ما احدث شيئًا من الازدخام الزمني كان يمكن تخفيفه.
من ابرز عناصر القصة المشهدية ، فالكاتب يضع القارئ أمام صور بصرية غاية في الدقة .
ويستحق اختيار الاسماء وقفة خاصة ، فهى موظفة تقنيًا داخل البناء السردي.
" جاكوب " هو الأسم الإنجليزي لنبي الله يعقوب ذي الأصل العبري والذي ذُكر أيضا بالقرآن الكريم باسم إسرائيل .
اما " بيتر " له مكانة بارزة في الثقافة المسيحية فهو بطرس الرسول أحد تلاميذ السيد المسيح عليه السلام
" جيسيكا " له جذور عبرية ويعني الذي يراقبه الله ويحفظه ، هذا الحضور الانثوي أحسن الكاتب تقديمها من خلال مشهد إرضاع طفلها في اول ظهور لها ، هو مشهد يقدم ذروة الأنوثة بوصفها قدرة على منح الحياة ، هى امتدادًا لأمها وحلقة الوصل بين الموت التي مثلته امها وبين الحياة الجديدة التي يًمثلها الحفيد.
والجميل أن الكاتب جعل الحفيد بلا اسم ، بل جعله رمزًا للاستمرارية في مواجهة الموت .
كما تفتح بُنية الاسماء في القصة باب تأويل رمزي يرى صدى لبعض ملامح السيد المسيح بوصفه راعيًا دون ان يجعل ذلك الدلالة الوحيدة للنص .
الكاتب أجل الكشف عن الخلفية الدينية للشخصيات ، إذ بدأ " بجاكوب " الذي قد يدفع بعض القُراء إلى افتراض انتماء يهودي للشخصية ، خاصة مع استخدام مصطلح " عيد الفصح " قبل الإشارة لاحقًا للكنيسة الكاثوليكية ، وهو ما أعاد تحليل الاسماء والسياق في إطار مسيحي ، وربما كان التأجيل مقصودًا لإبقاء هوية الشخصيات مفتوحة في بداية السرد ، وإن كان " عيد القيامة " أكثر وضوحًا للقارئ رغم ان الكاتب لم يخطأ الاستخدام فعيد القيامة هو ذاته عيد الفصح عند الأخوة المسحيين وسمي كذلك لتصادف تزامنه مع عيد الفصح لدي اليهود اول الأمر .
اختيار الكاتب لمدينة دلهي ، ودول الخليج كان واقعيًا ، حيث تعد دلهي
هى التكوين العلمي ، والخليج هى فضاء العمل والاغتراب ، فأغلب العاملين بدول الخليج من الهنود .
رغم ذلك ، ارى الشخصيات مزدحة ، فهناك فقرة اذا حذفت لن تؤثر على البناء العام للنص ، هى الفقرة الخاصة بالجار التركي مراد شاهين .
على المستوى الرمزي ، الشمعة هى المركز الدلالي الأهم في القصة ، في ضوء الخلفية المسيحية في النص ، فإنها تكتسب بُعدًا روحيًا إضافيًا يتجاوز حدود الذكرى الشخصية ، فالشمعة في الوجدان المسيحي ترتبط بالنور والهداية ، من هذا المنطلق فالنهاية لها دلالة خاصة إذ لا تشتعل الشمعة فعليًا، بل تذوب في حرارة قلب البطل .
ومن اللافت ان الشمعة والراعي يلتقيان في دلالة واحدة ، فكلاهما يرتبط في الثقافة المسيحية بفكرة الهداية والنور والرعاية لذلك لا تبدو النهاية نهاية رجل صالح ، بل عبورًا رمزيًا إلى النور .
في النهاية تنجح الراعي في تقديم قصة إنسانية مؤثرة ، عن الفقد واستمرار الروابط الإنسانية بعد الموت ، جوهر النص لا يكمن في الجائحة ولا المستشفى ، بل في ذلك الرجل الذي امضى حياته يداوي الآخرين بينما لا ينظر لجُرحه الشخصي ، الشمعة التي بدات رمزًا للذكرى انتهت رمزًا للنور .
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك