المقاول الضرير
في منزلنا الجديد. بعد أن انتهيت من تشطيبه، كان سطح المنزل ملئ ببقايا البناء ومخلفات نجارين المسلح, بمساحته المعقول، فكرت زوجتي بالاستفادة منه , وتنظيفه أولا, ثم إنشاء سور حول السطح، أو بناء ما يسمى بالزيار. وغرفة يتم سقفها بالأخشاب، لوضع بعض الكراكيب فيها.
الحقيقة منذ أن شيدت البيت، وانا كرهت التعامل مع كل العمال والحرفيين، وسألت عن بعض المقاولين في كار المعمار لتفق معه على كل شيء، فانا لا اطيق الجدال مع العمال والبنائين والحرفيين لمواعيدهم وجشعهم فضلا عما يسببوه من صخب وترك أماكن عملهم تحتاج الى تنظيف صعب من بقايا ومخلفات البناء وبقاء الطوب والأخشاب، مما يستغرق وقتا ومالا كثيرا ومفاوضات مع عمال التنظيف مرة ثانية. كنت قد سمعت عن الشيخ بهاء. طلبت أن أقابله.
احضروه، رأيت رجل يرتدي زي الشيخ الأزهري ويتقدمه عكاز قديم. وهو ما ذكرني بخطباء المساجد القدماء في قريتي. وأخبروني أنه المقاول، سلمت عليه، واكتشفت أنه ضرير، أخبرني أنه يعرفني. وأنه تحت امري، وسيتولى كل شيء ويسلمني السطح محاطا بالسور والغرفة المسقوفة بالأخشاب، وشرع يحسب لي التكاليف، طلب مني أن أحضر ورقة وقلما واكتب ما يقول.
قال مساحة سطح بيتك مائة وخمسين مترا وغرفة واسعة، تحتاج الى عشرة آلاف طوبة افرنجي، سعر الألف طوبة ألف جنيه، وتحتاج اثنين طن اسمنت. وخمسة أمتار من الرمال الصفراء الناعمة، وخمسة انفار يرفعون الرمال لأعلى السطح في الدور الرابع، وعدد عشرة عروق من الخشب، وخمسة عشر لوح خشب، ونجار مسلح للتركيب، وعدد أثنين بنائين ونفرين لتخمير المونة ،وبقشيش واتاوات لموظفي الإدارة المحلية.
كل هذا يكلفك أربعين ألف جنيه ونص. الحقيقة أنه حسب كل شيء وكنت اكتب الأرقام التي يمليها، واضربها بالآلة الحاسبة فتكون النتائج كما ذكرها. كنت اتعجب من قدرة على الحساب.
وفي اليوم التالي جاء مبكرا تقوده فتاة صغيرة ورن جرس الباب، فتحت له وأخبرني أن العمال وصلوا، وفي اعقابه وجدت عربة تنزل الرمال، وعربة لوري أخري عليها الطوب والأسمنت والأخشاب، وخمسة عمال جاهزون. وبسرعة تم إنزال الرمال، وهو واقف كأنه ينظر إليهم ويراقبهم، احضرت له كرسيا ليجلس عليه، كان يراقب دون أن يري كل شيء.
والسائقون والعمال ياتمرون بأمره وفي خلال ثواني قام العمال بإحضار أكياس من البلاستيك وقاموا بتعبئتها بالرمال وبدأ يساعدون بعضهم في تحميلها على اكتافهم القوية، وخلال ساعة واحدة تم تصعيد الرمال وجاء الدور على الطوب، فقاموا بتجهيز حوامل خشبية يحملونها على ظهورهم حتى تم رفعها، ورفعوا شكاير الأسمنت والأخشاب، وفي بعد رفع الرمال، طلب منهم يقوموا بتنظيف الشارع مكان الرمال أمام البيت. كل هذا وأنا نظر إليه متعجبا. ولم اناقشه، ثم أخبرني، أنه بعد ساعة سيأتي عمال البناء. ونصعد جميعا للسطح ليتم خلط الرمال وبالأسمنت، نقلت له الكرسي اعلى البيت، وجلس عليه وبدأ يراقب العمال كأنه يراهم، ويمزح معهم. وتولى مباشرة عملية البناء، وأخبرني أن المقاولة تشمل شاي وسجائر وطعام خفيف للعمال وزجاجات مياه معدنية وفي موعد الغذاء رأيت علب الكشري تدخل البيت وتصعد للعمال.
وما ان جاء المغرب حتى كان السطح جاهزا والغرفة مسقوفة وجاهزة، كان السطح نظيفا كأنما لم يحدث شيء. وكأننا لم نشيد شئ. حتى علب الكشري اخذوها معهم. صحيح ان المقاولة كانت مكلفة جدا ولكنني شعرت بالراحة تماما.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك