من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

كواليس الانتشار العسكري الإسرائيلي في أرض الصومال

القاهرة : " نقاش "
كواليس الانتشار العسكري الإسرائيلي في أرض الصومال


إسرائيل تنشر قواتها في أرض الصومال: "خنجر" على شريان التجارة العالمية


في تطور جيوسياسي بالغ الخطورة كشف عنه موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، نشر الاحتلال الإسرائيلي قوةً عسكرية صغيرة في إقليم أرض الصومال في وقت سابق من العام الجاري، وذلك بحسب ما أفاد به مسؤول رفيع في الحكومة الصومالية.

يأتي هذا الانتشار في سياق تصاعد التنافس الاستراتيجي على منطقة القرن الأفريقي، ويُعيد رسم خريطة التوازنات الأمنية على ضفاف أحد أشد الممرات المائية حساسيةً في العالم.

قوات ذات وجه أفريقي.. للاندماج دون لفت الأنظار

كشف المسؤول الصومالي أن إسرائيل أوفدت نحو خمسين جندياً إلى أرض الصومال في أعقاب الاعتراف الرسمي بها في ديسمبر الماضي، وبالتزامن مع اندلاع جولة جديدة من المواجهة مع إيران في أواخر فبراير الماضي. ولافتٌ في هذا السياق أن الجيش الإسرائيلي انتقى عناصره من الجنود ذوي الأصول الأفريقية، وبخاصة الإثيوبية، حرصاً على التخفي وتفادي أي استقطاب للأنظار. 

وحين طلب "ميدل إيست آي" تعليقاً، اكتفى الجيش الإسرائيلي بالقول إن الأمر يعود إلى "المستوى السياسي"، فيما لم تردّ سلطات أرض الصومال على استفسارات الموقع. 

تعاون سري منذ سنوات.. والآن إلى العلن

لا يُمثّل التقارب الإسرائيلي مع هرجيسا وليدَ اللحظة، إذ أفاد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتز بأن البلدين يتعاونان سراً منذ أمد بعيد. قال كاتز خلال لقائه رئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله: "تعاونّا تحت الرادار لسنوات طويلة في سلسلة من العمليات التي ستظل طيّ الكتمان. والآن عقدنا العزم على الارتقاء بتعاوننا الأمني إلى مستويات جديدة." 

وقد أجرى رئيس أرض الصومال في يونيو الحالي أول زيارة دولة له إلى إسرائيل، التقى فيها كبار المسؤولين الإسرائيليين، في مقدمتهم الرئيس إسحاق هرتسوغ ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وأعلن عن افتتاح مكتب تمثيل لأرض الصومال في القدس، كما وقّع الجانبان اتفاقيات لتوسيع التعاون الأمني والتجاري والتنسيق الإقليمي. 

موقع استراتيجي.. وعين على باب المندب

يكتسب هذا الانتشار أهميةً استثنائية بالنظر إلى الموقع الجغرافي لأرض الصومال المُطلّ على مضيق باب المندب وخليج عدن. تُمثّل منطقة القرن الأفريقي قطعةً جيواقتصادية وجيوسياسية بالغة الثقل؛ إذ يمرّ عبر مضيق باب المندب ما بين 10 و12 بالمئة من حجم الشحن التجاري العالمي سنوياً. 

وتُشير تقييمات معهد الدراسات الأمنية القومي الإسرائيلي إلى أن أي وجود عسكري في أرض الصومال سيمنح إسرائيل عمقاً استراتيجياً، ويُعزز قدراتها الهجومية والدفاعية ضد أهداف الحوثيين من مسافات أقصر بكثير؛ إذ لا تتجاوز المسافة بضع مئات من الكيلومترات، في مقابل ما يزيد على ألفي كيلومتر من الأراضي الإسرائيلية، مما يُقلّل من التكاليف وتعقيدات الضربات بعيدة المدى. 

وكان الجيش الإسرائيلي قد وظّف هذا الموقع فعلياً، إذ استخدمت إسرائيل قواعد سرية في أرض الصومال خلال حربها مع إيران عام 2026 محطاتٍ لتزويد الرحلات الجوية بعيدة المدى بالوقود.

ميناء بربرة.. الجائزة الاستراتيجية الكبرى

تُشير التقارير إلى أن إسرائيل تسعى إلى تعميق التعاون الاستخباراتي وإطلاق مبادرات تدريبية، إضافةً إلى الحصول على إمكانية الوصول إلى البنية التحتية، ولا سيما ميناء بربرة الذي طوّرته الإمارات مسبقاً وتتولى إدارته. 

وقد انضمت الإمارات إلى إسرائيل في دعم إقليم أرض الصومال، فيما وقفت تركيا والسعودية وقطر في الجانب الآخر داعمةً حكومة مقديشو، بما في ذلك ترتيبات أمنية وصفقات أسلحة. وتحتضن الصومال أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج الأراضي التركية. 

ردود الفعل الإقليمية: المخاوف تتصاعد

قوبل هذا التمدد الإسرائيلي بردود فعل إقليمية حادة. أعلن زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي أن أي وجود إسرائيلي في أرض الصومال سيُعدّ هدفاً عسكرياً مشروعاً. 

كما حذّر رئيس الصومال حسن شيخ محمود من أن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال تحرّكه ثلاثة دوافع رئيسية: انضمام الإقليم إلى اتفاقيات أبراهام، وتوطين الفلسطينيين، وإقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية على ساحله. 

ومن جهة أخرى، يرى المحللون أن الاستقرار النسبي الذي نعم به إقليم أرض الصومال منذ ثلاثة عقود بات في مهب الريح، إذ حذّر رئيس الاستخبارات الصومالية الأسبق فهد ياسين من أن الإقليم لا يُحكم سيطرته على مساحات شاسعة من أراضيه، وأن أي تحرك إسرائيلي سيُرجّح كفة جماعات مسلحة كداعش وحركة الشباب في زعزعة استقرار المنطقة. 

الخلاصة: امتداد الصراع نحو الجنوب

يكشف هذا التطور أن المنافسة الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط تتمدد بوتيرة متسارعة نحو القرن الأفريقي، وأن ما كان يُعدّ شأناً صومالياً داخلياً بات اليوم ساحةً للتجاذبات الكبرى. تحذّر مراكز بحثية مستقلة من أن توسيع الوجود العسكري الإسرائيلي في أرض الصومال لن يزيد إلا من تأجيج الأزمات الإقليمية المتراكمة، وأنه قد يُمدّد رقعة الحرب الشرق أوسطية لتطأ الأرض الأفريقية. 

وعلى مراكز القرار في العواصم العربية أن تستوعب هذه المعطيات بجدية؛ فهذا التحرك لا يستهدف أطراف المنطقة وحسب، بل يُهدد شرياناً تجارياً يمرّ عبره قدر وافر من واردات العالم العربي واحتياجاته الاستراتيجية.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9614
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.