من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

المكتبات بين الماضي والحاضر

د. محمد عبد الله القواسمة
المكتبات بين الماضي والحاضر


تراجعت المعرفة في هذا العصر، من خلال ضعف القراءة والبحث والنقد بسبب الثورة الرقمية، وأحدث تراجعها تغيرات كثيرة، نالت المجالات كافة، الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها. لعل أبرز تلك التغيرات وأشدها تأثيرًا ما حدث للمكتبات بأنواعها: العامة، والخاصة، والمدرسية، والجامعية، والوطنية. 

في مقدمة التغيرات التي طالت المكتبات نشير إلى تغير مفهوم المكتبة؛ فالمكتبة بالمفهوم القديم مكان للكتب الورقية، وبعض المخطوطات، وقليل من أوعية المعلومات المرئية والمسموعة فقط. ونشاطاتها مقتصرة على الإعارة والتزويد فضلًا عن الفهرسة والتصنيف، وفيها قد تقام الندوات والمؤتمرات، والدورات التثقيفية، وتلقى المحاضرات العلمية. 

أما اليوم فغدت المكتبة بالمفهوم الحديث مؤسسة لصناعة المعرفة، تحتوي الكتاب الورقي، والإلكتروني، والمخطوطات، وتوجد فيها قواعد البيانات، والأرشيفات الرقمية، والصور، والأفلام، والتسجيلات، والخرائط، وتتوافر فيها قاعات الدراسة، وخدمات الأطفال وذوي الإعاقة، والتدريب الرقمي، وتضم بعض المكتبات الحديثة فضلًا عن الكتب أدوات تساعد الناس على التعلّم والتجريب والإبداع، مثل الحواسيب، والإنترنت، والطابعات، وأدوات للتصميم أو البرمجة.

وها هي منظمة إفلا IFLA (الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات) تؤكد في بيانها عن المكتبات العامة؛ بأنها قوة حيّة للتعليم والثقافة والمعلومات وهي مركز للمعرفة، والتعلّم، والبحث، والثقافة، وخدمة المجتمع.

وتبع التغير في مفهوم المكتبة تغيرات كثيرة، من أهمها التغير في مفهوم العاملين في المكتبات، ومفهوم أمين المكتبة. فأمين المكتبة، كما يقول ديفيد لانكس David Lankes ، الباحث الأمريكي والأستاذ في علم المكتبات والمعلومات بجامعة تكساس، وصاحب كتاب" أطلس المكتبات الجديدة": إن رسالة المكتبيين هي تحسين المجتمع؛ بتيسير إنتاج المعرفة داخل المجتمعات؛ لهذا فالمكتبي اليوم ليس مجرد حارس رفوف الكتب، بل هو مرشد معلومات، ومدرب، ومنظم أنشطة، ووسيط بين المستفيد والمعرفة، يقوم بتوجيه الناس، ومساعدتهم على البحث والفهم والتفكير. 

أما مفهوم المستفيد من المكتبة أو القارئ فبعد أن كان في الغالب باحثُا عن كتاب، غدا راغبًا في خدمة معلوماتية. وقد يكون من الطلاب، أو الأطفال، أو من الباحثين، أو الموظفين، أو من ذوي الإعاقة، أو من كبار السن.. فلم تعد المكتبة تخدم جماعة، أو فئة معينة بل تخدم المجتمع كله. 

نظرة إلى المكتبات في بلادنا، وبخاصة المكتبات العامة والمدرسية والخاصة، مع استثناءات قليلة هنا وهناك، نجد أنها لم تواكب التطورات الحديثة في علم المكتبات والمعلومات، بل إنها تردت بمستواها عن المستوى الذي كانت عليه في السابق قبل عصر الرقمنة. لقد أصبح بعضها مستودعات لحفظ الكتب، وصار أمناؤها حراسًا ينتظرون آخر العام لجرد محتوياتها، والاطمئنان على عدم فقدان أي من كتبها؛ فهي كأي عهدة يجب المحافظة عليها من الضياع. ووجدت مكتبات خالية من الرواد: قراء وباحثين، وتركت كتبها للغبار والإهمال، ودون زيادة أو نقصان، فلا شراء ولا استخدام، حتى إن أغلفة الكتب بدت كأنها ذات لون واحد، وهو لون الغبار التي يعلوها. وترى الموظفين متحلقين على مدخلها، أو إحدى ردهاتها يثرثرون ويشربون الشاي والقهوة، أو يتناولون الطعام. وبلغ الأمر في بعض المكتبات أن تحولت إلى قاعات للنشاطات الاجتماعية واللهو والضجيج، وبيع الطعام والمشروبات الغازية، وغيرها من النشاطات التي لا علاقة لها بالقراءة والبحث. 

لا شك أن الاستجابة للتغيرات التي واكبت هذا التقدم الهائل في التكنولوجيا الإلكترونية لا تكون بتحويل المكتبات إلى قاعات نشاطات اجتماعية لتناول الطعام والشراب، وترك الكتاب على الهامش بل تحويلها إلى قاعات تحتوي، فضلًا عن الكتاب الورقي والإلكتروني الإنترنت والحواسيب وغيرها من الأدوات التي تسهل على الباحثين والدارسين الوصول إلى المعلومات بيسر وسهولة. وإذا لم يتوافر ذلك نكون إزاء مقهى، أو مطعم، أو ملهى، أو أي شيء آخر غير المكتبة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9619
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.