اليوغا بين الجذور الدينية والهندوسية والرياضة والاسترخاء
بين صوامع الهندوسية ومراكز اللياقة البدنية: اليوغا.. طقس تعبدي أم رياضة عصرية؟
في اليوم العالمي لليوغا 2026، تتجدد الدعوات لاكتشاف هذه الممارسة التي تجمع بين صفاء العقل وتوازن الجسد، وتمنح الكثيرين لحظات من الهدوء والطاقة وسط ضغوط الحياة اليومية.
في قلب العاصمة المصرية القاهرة، ولم تعد المشاهد مألوفة فحسب، بل باتت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية لقطاع عريض من الشباب والنساء؛ مجموعات تفترش الحصائر في الحدائق العامة أو داخل غرف مضاءة بشموع خافتة، يمارسون حركات جسدية مرنة مصحوبة بتنفس عميق. إنها "اليوغا"، الممارسة العالمية التي تحولت خلال العقدين الأخيرين من "تقليعة" مقتصرة على النخب، إلى صناعة عالمية تدر مليارات الدولارات تحت لافتة "الاسترخاء والصحة النفسية".
لكن خلف هذا المظهر العصري الأنيق، يثور نقاش فكري وعقدي لا يهدأ. فبينما يراها الملايين مجرد تمارين رياضية لتفريغ شحنات التوتر اليومي، يرى فيها باحثون في الأديان والمذاهب طقسًا تعبديًّا مغلفًا بطابع رياضي، يعود في جذوره إلى عمق الفلسفة الهندوسية.
فأين تقف اليوغا اليوم؟ هل هي مجرد "جيم" وروتين صحي، أم أنها تسلل ناعم لمعتقدات شرقية؟
الجذور التاريخية: من نصوص "الفيدا" إلى صالات الـ "Gym"
كلمة "يوغا" (Yoga) المشتقة من اللغة السنسكريتية القديمة تعني "الاتحاد" أو "الربط"؛ والمقصود بها تاريخيًا هو اتحاد روح الفرد بالروح الكونية العظمى (وفق العقيدة الهندوسية). لم تكن اليوغا يومًا في منشئها مجرد حركات لمرونة العضلات، بل كانت جزءًا من منظومة روحية متكاملة وردت في نصوص "الفيدا" و"الأوبانيشاد" الهندوسية قبل آلاف السنين.
تعتمد اليوغا التقليدية على ثمانية أركان (Ashtanga)، تبدأ بالانضباط الأخلاقي والطهاري، وتمر بالوضعيات الجسدية (Asanas)، والتحكم في طاقة التنفس (Pranayama)، وتصل في نهايتها إلى "السامادهي" (Samadhi) أو حالة الاستغراق التام والاتحاد بالخالق أو الكون.
ومع ذلك، شهد القرن العشرين عملية "علمنة" واسعة لليوغـا على أيدي فلاسفة ومعلمين هنود سافروا إلى الغرب، حيث قاموا بتجريد الممارسة من أبعادها الدينية الصارمة، وتقديمها في قالب غربي يركز على الفوائد التشريحية، والحد من الإجهاد، ومرونة العمود الفقري، وهو القالب الذي صدر لاحقًا إلى الشرق الأوسط والعالم العربي.
الخلاف العقدي: تحفظات وإشكالات دينية
يرى قطاع واسع منعلماء الدين الإسلامي والمؤسسات الإفتائية في العالم العربي، أن اليوغا في صورتها التقليدية لا يمكن فصلها عن فلسفتها الدينية. وتتركز التحفظات العقدية في عدة نقاط رئيسية:
ترديد الترانيم (Mantras): بعض مدارس اليوغا تلزم الممارسين بترديد كلمات سنسكريتية مثل "أُوم" (OM)، وهي في الفلسفة الشرقية تمثل الصوت الأولي للكون أو رمزًا للآلهة الهندوسية (برهْما، فيشنو، وشيفا).

تحية الشمس (Surya Namaskar): تُعد واحدة من أشهر التتابعات الحركية في اليوغا، ويرى فيها منتقدوها محاكاة حرفية لطقس هندوسي قديم يقوم على تعظيم الشمس كإله.
فلسفة الطاقة الكونية: تقوم اليوغا على الإيمان بمراكز الطاقة السبعة في الجسد (الشاكرات)، وتحرير طاقة "الكنداليني" (الأفعى القابعة في أسفل العمود الفقري)، وهي مفاهيم تنبثق مباشرة من الحلولية والاتحاد، وهي فلسفات تصطدم مع التوحيد الإسلامي الذي يفصل تمامًا بين الخالق والمخلوق.
موقف الإفتاء: استقرت الفتاوى الصادرة عن جهات رسمية كدار الإفتاء المصرية في أوقات سابقة، على أن ممارسة اليوغا كـ"تمارين رياضية بحتة" لتقوية الجسد دون تصاحبها طقوس تعبدية أو اعتقادات وفلسفات شرقية هي أمر جائز، بينما يُحظر تمامًا إذا اشتملت على ترانيم هندوسية أو طقوس تخالف العقيدة الإسلامية.
وجهة النظر الرياضية: جسد معافى وعقل هادئ
في المقابل، يدافع ممارسو اليوغا والمدربون المحترفون في مصر والعالم عن ممارستهم بقوة، مؤكدين أن اليوغا المعاصرة (Hatha Yoga أو Vinyasa) قد تجاوزت خلفيتها الدينية تمامًا وصارت "علمًا حركيًا".
وفي حديث لـ "نقاش الإخباري"، تقول كابتن مروة أمين، مدربة يوغا معتمدة بالقاهرة:
"نحن لا ندرس أديانًا في الصالات. نتعامل مع اليوغا من منظور علم التشريح ووظائف الأعضاء. نركز على إطالة العضلات القابضة، وتحسين سعة الرئتين عبر التنفس الحجابي، وتقليل هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر). الاسترخاء الذي يحصل عليه المتدرب هو نتيجة علمية لتهدئة الجهاز العصبي الباراسمبثاوي، وليس نتيجة طقس غيبي".
وتضيف أمين: "العديد من المتدربين يمارسون اليوغا وهم يستمعون إلى موسيقى هادئة أو حتى أصوات من الطبيعة، والبعض يستبدل الترانيم بالتسبيح أو التأمل الصامت. اليوغا أصبحت أداة للصحة العامة وليست صومعة للتعبد".
الخلاصة: ممارسة واحدة وسياقان
أصبحت اليوغا اليوم تعيش في عالمين منفصلين؛ عالم الجذور الهندية التقليدية حيث تظل مسارًا روحيًا للتحرر العقدي، وعالم الحداثة والعولمة حيث تحولت إلى "أسلوب حياة" (Lifestyle) ومنتج تجاري يهدف إلى الرفاهية البدنية والذهنية.
ويبقى وعي الممارس هو الفيصل؛ فبينما يراها البعض "حقل ألغام عقدي" يجب تجنبه أو البحث عن بدائل رياضية وسويدية له، يجد فيها آخرون مساحة ضرورية لالتقاط الأنفاس والهروب من صخب الحياة الحديثة وضغوطها الاقتصادية والاجتماعية، شريطة تفريغها من أي مضمون ديني يتعارض مع هويتهم.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك