30 مليون طن قمح إثيوبي.. معجزة زراعية أم فقاعة إحصائية؟
إثيوبيا تعلن إنتاج قياسي من القمح
أبي أحمد يطلق أرقامًا مدوّية تتناقض مع بيانات الأمم المتحدة والبنك الأفريقي للتنمية
فخر أم ورقة ضغط سياسية؟
في تصريح لافت ادّعى فيه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أن بلاده أنتجت هذا الموسم ما يزيد على ٣٠ مليون طن من القمح، مضيفًا أن هذا الرقم يمثّل ثلاثة أضعاف الإنتاج المصري، في إشارة تحدٍّ صريحة موجّهة لدولة النيل. فقد أعلن آبي أحمد أن إثيوبيا تجاوزت مصر لتصبح أكبر منتج للقمح في أفريقيا، محققةً ضعف الإنتاج المصري ثلاث مرات.
غير أن هذه التصريحات، التي تتصاعد وتيرتها كلما اشتدت الأزمات الإقليمية، تصطدم بجدار صلب من أرقام المؤسسات الدولية المستقلة.
الهوّة بين الرواية الرسمية والمعطيات الدولية
بينما تؤكد الأرقام الحكومية الإثيوبية قفزة تاريخية في إنتاج القمح بلغت ١٥،١ مليون طن في موسم ٢٠٢٢-٢٠٢٣ ثم ٢٣ مليون طن في الموسم التالي، تقف التقديرات الدولية المستقلة عند مستويات مختلفة تمامًا؛ إذ تضع كلٌّ من وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) الإنتاج عند ٥،٨ مليون طن فحسب لموسم ٢٠٢٢-٢٠٢٣، فيما يرفع البنك الأفريقي للتنمية تقديره إلى ٧،٥ مليون طن لموسم ٢٠٢٣-٢٠٢٤.
أما عن الموسم الأخير الذي يستشهد به آبي أحمد بـ٣٠ مليون طن، فإن وزارة الزراعة الأمريكية تُقدّر الإنتاج الإثيوبي لموسم ٢٠٢٤-٢٠٢٥ بنحو ٦،٢ مليون طن فحسب، مع توقع بلوغه ٦،٥ مليون طن في الموسم التالي.
والفجوة بين الرقمين الرسمي والدولي مذهلة: نحو أربعة وعشرين مليون طن هي فارق لا تفسّره الفوارق المنهجية وحدها.
التغير المناخي: القمح في موسم الجفاف
يمتلك المتخصصون الزراعيون ملاحظة جوهرية لا يمكن تجاهلها؛ فإثيوبيا دولة أمطارها صيفية بامتياز، ويمثّل الشتاء موسم الجفاف الطبيعي فيها. ومن ثمّ، فإن إنتاج القمح على هذا النطاق المزعوم في موسم شحيح الأمطار يستلزم بنية ريّ ضخمة لم يُثبت وجودها حتى الآن بهذا المقياس. تعترف الحكومة الإثيوبية ذاتها بأنها زرعت نحو ٢،٧ مليون هكتار من القمح في موسم الري الصيفي الجاف (بيگا)، مستهدفةً حصادًا يبلغ ١٧،٥ مليون طن، لكن خبراء الاقتصاد ينبّهون إلى أن ريّ هذه المساحة الشاسعة خلال موسم الجفاف يُرهق الطاولات المائية وأنظمة الأنهار في وادي ريفت، وأن الخسائر في مرحلة ما بعد الحصاد تتراوح وحدها بين ١٥ و٢٧ بالمئة.
الاستهلاك والفائض الوهمي: حسابات تكشف المفارقة
حتى لو افترضنا صحة الرقم الرسمي الإثيوبي البالغ ٣٠ مليون طن، فإن الحسابات تقود إلى نتائج عصيّة على التصديق. فإثيوبيا تضمّ سكانًا يقترب عددهم من سكان مصر، وبافتراض مستوى استهلاك مماثل فإنها تحتاج نحو عشرين مليون طن لتغطية احتياجاتها الداخلية، ما يعني فائضًا صافيًا للتصدير يبلغ عشرة ملايين طن.
وهذا الرقم يعادل صادرات أوكرانيا التي تُعدّ "سلة خبز العالم"، ويتجاوز ضعف فائض المملكة المتحدة، ويقترب من فائض فرنسا التي تزرع في ظروف مناخية ومائية لا تُقارن بقساوة هضبة القرن الأفريقي. والأهم أن هذا الفائض المزعوم يكفي وحده لتأمين احتياجات دول الخليج العربي من القمح أو تغطية معظم واردات مصر.
فأين هي هذه الشحنات إذن؟ لم تُسجّل بورصة شيكاغو للحبوب ـ المرجع الدولي لتسعير الحبوب ـ إثيوبيا بين الدول المُصدِّرة الكبرى، ولم ترصد الموانئ الأفريقية والعربية حمولة إثيوبية واحدة ذات شأن.
ماذا تقول الوقائع بدلًا من الأرقام؟
الوقائع على الأرض تعكس صورة مغايرة تمامًا. فرغم ادعاءات الاكتفاء الذاتي، استوردت إثيوبيا ١،٤ مليون طن من القمح في عام ٢٠٢٣، فضلًا عن ٤٠٠ ألف طن إضافية في مطلع ٢٠٢٤.
وتؤكد بيانات برنامج الأغذية العالمي أن إثيوبيا باتت من بؤر الجوع الحادة في العالم، إذ يرزح خمسة ملايين ونصف مليون شخص في حالة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، من بينهم مليون وسبعمئة ألف نازح داخلي. (TRT Afrika) وقد دفعت الحكومة الإثيوبية ٢٥٠ مليون دولار على الإغاثة الطارئة عام ٢٠٢٤، في ظل استمرار حاجة ستة عشر مليون إثيوبي لمساعدات غذائية، وهو ما يتناقض تناقضًا صارخًا مع رواية الوفرة القياسية.
ومن الناحية المؤسسية، تشير التقارير إلى أن المصرف المركزي الإثيوبي رصد في تقاريره الأولى إنتاجًا يُوافق التقديرات الأمريكية عند ٥،٨ مليون طن لموسم ٢٠٢٢-٢٠٢٣، قبل أن يتراجع لاحقًا عن هذه الأرقام مستندًا إلى "خطأ بشري"، فيما يُثير المراقبون مخاوف جدية حول تدخّل سياسي في البيانات الإحصائية.
مقارنة من اختاروها بأنفسهم
أما التساؤل الذي لا مفرّ منه: لماذا المقارنة بمصر تحديدًا؟ تنتج مصر نحو ٩،٢ مليون طن من القمح سنويًا، وهو رقم موثّق وخاضع للتحقق الدولي، غير أنها تستهلك ما يزيد على ٢٠ مليون طن سنويًا في ظل برنامج دعم غذائي واسع يستفيد منه أكثر من مئة مليون مواطن.
والمقارنة التي عقدها آبي أحمد تكشف عن أجندة سياسية لا يخطئها المراقب: فمصر هي المحاور الإقليمي الأكثر فاعلية في ملف مياه النيل الذي يُمثّل أزمة وجودية للقاهرة في مواجهة أديس أبابا.
التقدم الزراعي الإثيوبي حقيقي ومعترف به دوليًا، وأثنت عليه منظمات من بينها الفاو والبنك الأفريقي للتنمية وشخصيات بارزة مثل بيل غيتس، وهو يمثّل رحلة جادة نحو الاكتفاء الذاتي من دولة كانت رمزًا للمجاعة عالميًا.
لكن الأرقام المُعلنة ـ ثلاثون مليون طن تتقاطع مع بيانات محلية متضاربة ووقائع استيراد مستمرة وملايين جائعين ـ لا تصمد أمام منهجية التحقق الدولي، وتحوّلها إلى ورقة ضغط في صراع مائي وجيوسياسي أعمق بكثير من أي مونة في حقول الهضبة الإثيوبية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك