من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

رغم تراجع الذهب والفضة... لكن البنوك العالمية تواصل شراء الذهب والديون تتضخم

القاهرة — نقاش الإخباري
 رغم تراجع الذهب والفضة... لكن البنوك العالمية تواصل شراء الذهب والديون تتضخم


الذهب والفضة بين مطرقة الفائدة وسندان المتغيرات الكبرى


  هل ذلك تصحيح مؤقت أم منعطف هيكلي؟


الأسواق تركز على احتمال رفع الفائدة وقوة الدولار، ما ضغط على الذهب والفضة في المدى القصير. لكن الهبوط الحالي يبدو تصحيحًا منظمًا أكثر منه موجة ذعر أو انهيار.


 في المقابل، العوامل الكبرى ما زالت قائمة:  البنوك المركزية تواصل شراء الذهب. الديون العالمية تتضخم. التوترات الجيوسياسية مستمرة.

 الفائدة تحرك الأسعار لأسابيع، أما الديون والجيوسياسة ومشتريات البنوك المركزية فهي التي ترسم اتجاه الذهب على المدى الطويل. من يخلط بين الاثنين قد يبيع في القاع ويشتري عند القمة.


يعيش سوق المعادن النفيسة حالةً من التوتر الهادئ، إذ يتراجع سعر الذهب والفضة تحت وطأة توقعات رفع أسعار الفائدة الأمريكية وقوة الدولار، غير أن المشهد الأعمق يكشف أن القصة الحقيقية لم تتغير بعد، وأن ما يجري على السطح لا يعدو كونه موجة تصحيح داخل مسار صاعد لا يزال قائماً.

— أين تقف الأسعار الآن؟

يتداول الذهب قرب مستوى 4200 دولار للأوقية، في ظل استمرار الضغط الناجم عن توقعات رفع الفائدة التي تطغى على أي تفاؤل تولّده مسارات التفاوض الأمريكي-الإيراني.  وتُمثّل هذه المستويات تراجعاً بنحو 25% عن الذروة التاريخية البالغة 5589 دولاراً في يناير الماضي، وهو أعمق تراجع في الدورة السعرية الراهنة. 

أما الفضة، فوضعها أكثر حدةً؛ فقد تراجعت بأكثر من 40% منذ اندلاع الأزمة الإيرانية، وسجّلت في مطلع يونيو أدنى مستوياتها خلال شهرين عند نحو 63 دولاراً للأوقية. 

— لماذا يهبط الذهب رغم الاضطرابات الجيوسياسية؟

المفارقة اللافتة أن الصراع في الشرق الأوسط، الذي كان تقليدياً دافعاً نحو الملاذات الآمنة، بات في 2026 يُشكّل ضغطاً على الذهب لا دعماً له. السبب يكمن في الأثر الثانوي للأزمة: فالأزمة الإيرانية رفعت أسعار الطاقة، ما أشعل مخاوف التضخم، وعزّز الحجج المؤيدة لرفع أسعار الفائدة. 

وفي الإطار ذاته، أبقى الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة دون تغيير لكنه تمسّك بنبرة أكثر تشدداً، فيما بات تسعة من أصل 19 عضواً في لجنة السياسة النقدية يتوقعون رفعاً واحداً على الأقل قبل نهاية العام، والأسواق تُرجّح أن يكون ذلك في سبتمبر المقبل. 

وذهبت غولدمان ساكس أبعد من ذلك، إذ ألغت توقعاتها بخفض الفائدة في 2026 كلياً، مؤجّلةً أول خفض محتمل إلى يونيو 2027 على أقرب تقدير.

— الفضة بين مطرقتين

تعاني الفضة من معادلة مزدوجة الضغط؛ فهي في طبيعتها تؤدي دورين متعاكسين: دور المعدن النقدي الذي يسلك سلوك الذهب حين ترتفع الفائدة، ودور المعدن الصناعي الذي تحرّكه دورته الخاصة المرتبطة بالطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. 

بيد أن ثمة معطىً مغايراً لافتاً: نسبة الذهب إلى الفضة ارتفعت بحدة إلى نحو 63.9، وهو مستوى يسبق تاريخياً تفوّق الفضة على الذهب خلال مراحل انتعاش الأسواق الصاعدة. 

— البنوك المركزية: الشراء يتواصل رغم العواصف

لعل أبرز ما يعاكس الرواية التشاؤمية هو أن البنوك المركزية عالمياً لم تتزعزع. اشترت البنوك المركزية 244 طناً من الذهب صافياً في الربع الأول من 2026، متجاوزةً بذلك الربع السابق والمتوسط الخماسي، في مؤشر على الاستمرار الاستراتيجي في تعزيز الاحتياطيات بالذهب. 

وكشف تقرير مجلس الذهب العالمي أن بنك بولندا المركزي جاء في صدارة المشترين بـ31 طناً خلال الربع الأول، فيما ضاعف بنك الشعب الصيني مشترياته ليُسجّل 7 أطنان، وهو ما يزيد بأكثر من الضعف عن الربع الأخير. 

وعلى صعيد التوجهات الاستراتيجية، يرى 74% من البنوك المركزية المُستطلَعة أن حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية ستتراجع بصورة معتدلة أو ملموسة خلال السنوات الخمس المقبلة، في مقابل توقعات متصاعدة بزيادة حيازات الذهب. 

وتبقى الصين نموذجاً للتحوّل الاستراتيجي العميق؛ إذ ارتفع صافي واردات الصين من الذهب ثلاثة أضعاف في الربع الأول من 2026 مقارنةً بالربع السابق، في ما يبدو مشروعاً ممنهجاً لبناء الاحتياطيات بهدف تعزيز مصداقية اليوان بديلاً احتياطياً للدولار.

— ماذا تقول التوقعات الكبرى؟

يتوقع محللو جيه بي مورغان أن يبلغ سعر الذهب معدلاً يبلغ 6000 دولار للأوقية بنهاية الربع الرابع من 2026، وأن يتجاوز 6300 دولار بحلول نهاية 2027. 

غير أن المحلل غريغ شيرر من المؤسسة ذاتها يصف الذهب بأنه "يراوح في منطقة تقنية لا محدد لها"، محاصراً فوق المتوسط المتحرك لـ200 يوم عند 4340 دولاراً، ومُقيَّداً دون المتوسط المتحرك لـ50 يوماً عند 4730 دولاراً. 

— القراءة الفاصلة: الأسابيع للفائدة، والسنوات للذهب

يتضح من استقراء المشهد أن المتغيرات قصيرة الأجل — وفي مقدمتها توقعات الفائدة وقوة الدولار — تُهيمن على حركة الأسعار أسبوعاً بأسبوع. لكن العوامل الهيكلية، من مخاوف طويلة الأمد حيال مستقبل الدولار، واحتقان التوترات الجيوسياسية، وتضخم الديون السيادية، والتراجع المتسارع في القيمة الشرائية للعملات،  تظل هي التي ترسم الاتجاه الرئيسي للمعدن النفيس على المدى البعيد.

التصحيح الراهن له سببان محددان: صدمة تضخمية مرتبطة بأسعار الطاقة كبّلت توقعات خفض الفائدة، وتقرير وظائف قوي عزّز هذا التوجه. ولا شيء في هذين السببين يمسّ البنية الهيكلية للطلب. 

في المحصلة، من يُحكم المزج بين أفق المضارب الأسبوعي وأفق المستثمر الاستراتيجي قد يجد نفسه يبيع عند القاع ويُسرع في الشراء عند القمة ، ذلك هو الخطأ الذي يُحذّر منه المحللون في كل أزمة فائدة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9635
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.